
: من اعماله
بيتهوفن ، السمفونية الثالثة
بيتهوفن ، السمفونية التاسعة
بيتهوفن ، كونشرتو البيانو رقم 4
بيتهوفن ، سوناتا البيانو رقم 21
العقل والرغبة..جان بيير شنجو
"يستغل الفن الملكات الما قبلية للدماغ من أجل تقوية العلاقات ما بين العقل والرغبة، وتوفير عنصر الانسجام بين قوانين العقل ووظيفة المعاني -كما كتب شيلر- لهذايعد الفن قوة جامعة وموحدة..اقرأ المزيد
النقد عند هيجل
تزود الأسطورة الإنسان بذاكرة تاريخية تعطيه إحساسا بوجود مبرر لحياته. وبدون هذه الذاكرة يصير الإنسان إلى حالة أشبه بالموت، لأن نسيان الماضي هو ..اقرأ المزيد
ترجمة نضال نجار
ارتبطَ اسم ( البير كامو ) بالعبث و التحدي و اللامباللاة، و قد أُسِّستْ الكثير من المدارسِ لتدريسِ هذا المذهبِ الأدبي الذي أول ما ظهر في منتصف القرنِ التاسع عشر بعد أحداث الحرب العالمية الثانية ومخلَّفاته في النفوسِ والأفكارِ و نظمِ الحياة
وُلِدَ ( كامو ) في الجزائر ( 1913 ) ثم بعد عامٍ واحدٍ فقدَ والده في الحرب العالمية الأولى، فتولَّتْ ولدته الاسبانية الأصل تربيته في المنزل البسيط الكائن في حيًّ شعبيٍّ في الجزائر.. حصلَ على البكالوريا، و قامَ بأعمالٍ إداريةٍ و تجاريةٍ لمتابعةِ دراساته الفلسفية
و في عام(1936) نالَ دبلوم الدراسات العليا حول العلاقات الاغريقية و المسيحية في أعمال بلوتين و سان أوغستان..لكن مرضَ السل منعه من اجتيازِ شهادة الأستاذية في الفلسفة.. كان لديه شغفٌ كبيرٌ بالمسرحِ و قد أسس فرقةً مسرحيةً ملحميةً مقتَبسة من ( زمن الاحتضار لمالرو ) و من ( الاخوة كارامازوف لدوستويفسكي)
وفي وقتٍ لاحقٍ، ظهرتْ أفكارهُ الدراماتيكية و أصبحَ مقتبِساً ممتازاً لمسرحياتٍ قديمةٍ وغريبة
ثم عملَ صحفياً في الجزائر و بعدها في باريس ، و حصلَ على مكانةٍ مهمةٍ في المقاومة في زمنِ الاحتلالِ الألماني.. و في ( 1944 ) أصبحَ رئيس تحرير صحيفة ( معركة ) و كانت المقالات التي ينشرها تحملُ اسم ( أحوالActuelles ) ثم نشرَ عام( 1957) ملاحظاته حول حكم الاعدام
من الانسان العبثي للثائر و من كتابةِ المقال إلى الرواية نراهُ يكرِّسُ نفسه لهذه المهنة أي الكتابة وقد اتخذتْ أعماله اتجاهينِ هما العبث و التمرد
1 ــ أخلاقية العبث
يقول كامو( إن الاحساس يخدع) و حين نعي ذلك تماماً فذلك يقودنا لفكرة أن الانسان حرٌّ، و عليه أن يتمتَّعَ بالسعادةِ في الحياة و أن يحصدَ نتيجةِ أعماله.. لقد طرحِ كامو هذه الأفكار في أسطورةِ سيزيف (1942) و في رواية الغريب(1942) و في مسرحية كاليغولا(1944) و مسرحية سوء فهم(1944)
2 ــ إنسانية التمرد
من خلال أعماله، بدا كامو وكأنَّه عالمَ نفسٍ و أخلاقٍ..( هل تُستَحقُّ الحياةُ أن تُعاش؟..)
كثيرٌ هم الذين يتساء لون هذا السؤال، و الأكثرمن يُجيبُ بالنفي. بالنسبة للانسان ، يكونُ معنى الحياة أن نقومَ بأعمالٍ تفرضها العادات..ثم جاءَ الانتحار ليطرحَ سؤالاً جوهرياً عن معنى هذه الحياة.. ( فالموتُ الاختياري يفترض أن يعرفَ و بالفطرةِ الشكلَ الساخرِ لتلك العادات، و أن غيابَ كل تفكيرٍ عميقٍ بما يخصُّ معنى الحياة هو الشكلُ الآخرُ لهذه التصرفات العادية، و ما جدوى المعاناة آنذاك؟.. بالطبع ما من جدوى
شعور العبث إن الحياة بدون هدف (كالروتين اليومي و الأعمال المتكرة و الأشياء ذاتها و المواعيد كذلك و أيام العطل و أيام العمل و الأعياد….إلخ ، كل شيءٍ يسيرُ وِفقَ ايقاعٍ واحدٍ..).
ذلك ولَّدَ شعوراً بالعداوةِ البدائيةِ للعالم الذي نشعرُ اتجاههُ بالغربةِ، و أن الزمنَ الذي يقودنا لمضاعفةِ جهودنا هو عدونا الأول، و أن حقيقة الموت تكشفُ لنا عبثية الحياة، و العقلُ بطريقته الخاصة يقولُ لنا أن هذا العالم عبثيٌّ
تعريف العبث العبث هو ذاك الصراع القائم بين مظهر العالم اللاعقلانيّ و تلك الرغبة المضطربة حول الصفاء و الوضوح… إذن فالعبث يكمنُ في وجود الانسان و العالم المشترك، و هو ينشأُ بتناقضِ الطرفين،و الرابطة الوحيدة بينهما هي اللامنطقي و الحنين الانساني و العبث ذاته..تلك هي شخصيات الدراما الثلاث التي يجب أن تنتهي بشكلٍ منطقيٍّ على حدِّ أقوال كامو ( بالعبث، توصَّلتُ لنتائجَ ثلاث ؛ تمرُّدي و حريتي و رغبتي ــ وعن طريق لعبة المعرفة استطعتُ أن أُغيِّرَ كل ما يدعو للموت في قواعدِ الحياة.. التي أرفضها على أنها الانتحار ذاته)
التحدي (التمرد أن تعيشَ تجربةً أو قدراً يعني أن تقبله و لو كان مريراً..و أن تحيا يعني أن تعيشَ العبث، و أن تعيش يعني أن تُحافظَ على هذا القدر.. فالتحدي هو الصراعُ الحيُّ النابضُ بين الانسان و غموضه الخاص.و هو الذي يضعُ العالم في حالة سؤالٍ مستمر و دائمٍ حيث لا طموحَ و لا أمل..و بذلك فهو ليس إلا تأكيد هذا القدر الساحِق.. و بموجبِ رأي كامو ( هذا التمرد يحقِّقُ للحياةِ قيمتها و عظمتها، لأنه يُحرِّضُ التفكيرَ و اعتزازَ الانسان بأمورٍ عدة لحقيقةٍ تتجاوزه ذاته)..
الرغبة إن شعور الانسان بحياته، بتمرده، بحريته، ذلك يعني الصفاء الداخلي و عدم جدوى سلَّم القيم)، فغاية الانسان العبثي أن يعيشَ حاضِرهُ بروحٍ يقظةٍ واعيةٍ طوال الوقت
كل شيءٍ مسموح) هذا النداء يحملُ من المعاناة و الألمِ أكثرَ ما يحملُ من الفرحِ و السعادةِ، لأنه لا توجدُ قيَماً مكرَّسَةً للسيطرةِ على اختيارنا.. و يقول كامو في هذا المجال( إن العبث لا يُخلِّصُ بل يربط أو يُقيِّدُ، و هو لا يضبطُ الأفعال بل يُحقِّقُ المساواة و التكافؤ لنتائجها)
و يُضيف ( إن العبث لا يوصي بالجريمة لأنها عملٌ صبيانيٌّ تافهٌ و سخيفٌ، و الندم لا جدوى منه).. و بالاضافة لما سبق ( فإذا كانت كل الأعمال و التجارب متساوية و غير متميِّزة فتجربةُ الواجبِ لها نفس العايير)
الانسان هو وحده الذي يرسمُ نهايته الخاصة به، لكن من بين أعماله هناك ما يخدمُ البشرية و ما يضرُّ بها،و من خلال هذه النزعة الانسانية تحرَّكَ فكر البير كامو و استطاعَ تغييرَ الرأي إلى الارتقاء و التطور
نظرية تنكر كليا أو جزئيا إمكان معرفة العالم. وقد استخدم الاصطلاح لأول مرة العالم البريطاني توماس هكسلي. وقد اكتشف لينين الجذور الابستمولوجية (المتصلة بمبحث المعرفة) للاأدرية، وقال أن اللاأدري يفصل الجوهر عن مظهره، وأنه لا يمضي لأبعد من الأحاسيس، ويبقى بعيدا عن الظواهر ويرفض أن يعترف بشيء على أنه أصيل بخلاف الأحاسيس. ويفضي موقف التوفيق الذي تتخذه اللاأدرية بمؤيديها إلى المثالية. وقد ظهرت اللاأدرية في صورة الشكية في الفلسفة اليونانية (أنظر بيرون) واكتسبت شكلها التقليدي في فلسفة هيوم وكانط. ومن أشكل النظرية اللاأدرية نظرية الرموز الهيروغليفية. وتنتشر اللاأدرية على اتساع في الفلسفة المثالية المعاصر، وقد خلص زعماء المذهب الذرائعي (البراجماتي) والمذهب الوضعي الفلسفة الكانطية من "الشيء في ذاته" وحاولوا أن يثبتوا استحالة معرفة العالم كما يوجد في ذاته. وتنطلق اللاأدرية من محاولة للحد من العلم ورفض التفكير المنطقي، وشد الانتباه بعيدا عن إدراك القوانين الموضوعية للطبيعة، وخاصة قوانين المجتمع. وأفضل تفنيد للاأردية هو الممارسة (الخبرة) والتجريب العلمي والانتاج المادي. فإذا كان الناس جميعا يدركون ظواهر معينة ثم يكررونها عمدا، فلا يبقى محل لذلك "الشيء في ذاته الذي لا يمكن معرفته".
" ان اللامنتمي انسان لا يستطيعُ الحياة في عالم البرجوازيين المريح المنعزل ، أو قبول ما يراهُ ويلمسهُ في الواقع .. ( انه يرى أكثر وأعمق من اللازم ) وان مايراهُ لا يعدو الفوضى . ان البرجوازي يرى العالم مكاناً منظماً تنظيماً جوهرياً يوجد فيه عنصر مقلق مرعب
غير متعقل الا أن انشغال البرجوازي بدقائق الحياة اليومية يجعله مضطراٍ الى اهمال هذا العنصر . أما الامنتمي فانه يرى العالم معقولا ولا يراهُ منظماً ، وحين يقذف بمعاني الفوضوية في وجه دعة البرجوازي ، فليس لأنه يشعر بالرغبة في في قذف معاني الاحترام باهانة لاثارتها، وانما لأنه يحس بشعور يبعث على الكآبه ، شعور بأن الحقيقة يجب أن تُقال مهما كلف الأمر ، والا فلن يكون الاصلاح ممكنا .. بل وان هذه الحقيقة يجب أن تُقال حتى اذا لم يكن هنالك أمل ما . ان اللامنتمي انسان استيقظ على الفوضى ولم يجد سبباً يدفعه الى الاعتقاد بأن الفوضى غير ايجابية بالنسبة للحياة .. بأنها جرثومة الحياة . ان عبارة ( توهو بوهو) التي تعني ( الفوضى ) في القبالة اليهودية هي بكل بساطة حالة يكمن فيها النظام ، فالبيضه هي فوضى الطائر ، الا أن الحقيقة برغم ذلك يجب ان تُقال .. والفوضى يجب أن تُواجه .. "
مشهد من الفصل الأخير من ( قلعة آكسيل ) .. أوردهُ ولسن في كتابه :
" تقف سارة والكونت الشاب آكسيل في قبو القلعة ، يحتضن أحدهما الآخر ، وكانت سارة قد أطلقت على آكسيل رصاصتين من على بعد خمس ياردات الا انها أخطأته في المرتين ، وتغني سارة أغنية عن العالم الذي يمتلكانه الآن بأيديهما : أسواق بغداد وثلوج التبت وخلجان النرويج ( والأحلام التي قد نحققها ) ، الا أن آكسيل العابس يسألها : ( ولماذا نحققها ؟ ألكي نعيش ؟ .. كلا .. ان وجودنا كامل .. أللمستقبل ؟ صدقيني يا سارة اذا قلتُ لك أننا استنفدنا المستقبل . ماذا ستكون كل الحقائق غدا بمقارنتها بالسراب الذي عشناهُ حتى الآن ؟ ..ان ميزة رجائنا لا تفسح لنا مجالا للبقاء في الأرض أكثر مما بقينا / ومالذي يمكن أن نطلبهُ من هذا الكوكب الشقي الذي تتسكع فيه سوداويتنا وكآبتنا عدا الأفكار الشاحبه التي قد تساورنا عن هذه اللحظة ؟ .. الا ترين أن الأرض نفسها قد صارت وهماً ؟ .. فأقري يا سارة بأننا دمرنا حب الحياة في قلوبنا الغريبة ... أما أن نرضى بالحياة بعد هذا فان ذلك يعتبر خرقاً لحرمة نفسينا . أنعيش ؟ .. ان خدمنا سيفعلون ذلك لنــا .. آه ، العالم الخارجي ؟ .. لا تدعي ذلك العبد العتيد يخدعنا بالأوهام .. ذلك الذي يعدنا بمفاتيح قصرٍ سحري ، في حين تنطبق يدهُ التي يخفيها وراءهُ على حفنةٍ من التراب !) .. "
" اللامنتمي هو الانسان الذي يدرك ماتنهض عليه الحياة الانسانيه من اساس واهٍ ، وهو الذي يشعر بان الاضطراب والفوضويه أكثر عمقاً وتجذراً من النظام الذي يؤمن بهِ قومه .. انه ليس مجنوناً ؟، هو فقط أكثر حساسية من الاشخاص المتفائلين صحيحي العقول .. مشكلته في الاساس هي مشكلة الحرية .. هو يريد أن يكون حراً ويرى أن صحيح العقل ليس حراً، ولا نقصد بالطبع الحرية السياسية ، وانما الحرية بمعناها الروحي العميق .. ان جوهر الدين هو الحرية ولهذا : فغلبا ما نجد اللامنتمي يلجأ الى مثل هذا الحل اذا قـُـيَّـــض لهُ أن يجد حلاً .. !
الفلسفة هي الوليد الشرعي للعقل، وهي ربيبته على مر العصور. لذلك، اتخذ منها ابن رشد منهجاً وأسلوباً، ليهتدي به إلى معرفة الحقيقة. ولما كانت الفلسفة (حب الحكمة) لذا فقد ارتبطت بمعاني النظر والتأمل والتفكير والمشاهدة العقلية. ومادامت (الحكمة) هي النور العقلي الذي نسير على هديه في ظلمات الحياة، لذا فإن الحياة لا تكاد تنفصل عن التفلسف، شريطة أن نفهم من الفلسفة أنها عملية نقد الحياة وتحليلها وتقويمها. والفلسفة لا تخرج عن كونها محاولة إنسانية لتفسير الحياة، وتبرير الوجود، وتأويل الواقع. واما كانت الفلسفة ذات طابع إنساني عام، أو صبغة عقلية كلية، فذلك لأنها تستثير اهتمام كل فرد منا كائناً من كان، إذ ليس بيننا من لم تؤرقه يوماً ما بعض المشكلات حول مصيره، أو حريته، أو قصور معرفته، أو شقاء حياته، أو قلق ضميره، أو فناء وجوده...إلخ. والفلسفة وليدة الدهشة، فالدهشة، كما يقول أرسطو، هي:"الأم التي أنجبت لنا الفلسفة". والفلسفة، تلك الروح التساؤلية التي تقترن دائماً بأداة الاستفهام الكبرى؛لمَ، أو لماذا؟(1). لقد كانت الفلسفة محور اهتمام ابن رشد، ولم يكن من السهل تعاطي الفلسفة في عصره الذي كان فيه للفقهاء المتعصبين نفوذاً كبيراً (2).
والحقيقة التي يبحث عنها الفلاسفة هي:"تطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان"(6) ومعنى هذا: أن حكمنا يكون صادقاً، حينما يتطابق تفكيرنا مع الأشياء. والقول الحق، إنما هو القول الأمين للواقع، فالحق نسخة طبق الأصل من الواقع، أو، هو مثول الواقع نفسه في صميم الفكر الذي يتم التعرف عليه.(7)... إذاً فالحقيقة لها وجود قائم، ولنا السبيل الذي يفضي بنا إليها ـ في نظر ابن رشد ـ ودليله على ما يقوله:" ما نقف عليه من الحق في كثير من الأشياء أولاً، وتشوقنا إليها ثانياً، فتشوقنا إليها دليل على وجودها، لأنه لا يمكن، وهو في أصل الجبلة والخلقة، أن يكون باطلاً". ولكونه بهذه الصفة، فإنه يمكننا أن نعتبر طلب الحقيقة والبحث عنها، أمرين طبيعيين مرتبطين بطبيعة افطرة الإنسانية، وليس أمرين يمتاز بهما لدى ابن رشد طائفة خاصة من الناس. فأمثال الغزالي من المتعطشين غليها، وأمثال ديكارت ممن يشعرون شعوراً مؤلماً بحرمانهم منها. لذا فهم يطلبون الحقيقة، ويطلبها كل إنسان وصل إلى الإدراك الكامل لوظيفته الأساسية في الوجود، ووعى إلى أهمية تحقيقه لوظيفته الأساسية هذه، وهي: معرفة الله تعالى، ومعرفة سائر الموجودات على ما هي عليه، وكذلك معرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي... ان هذه المعرفة الشاملة هي الوظيفة الأساسية ـ في نظر ابن رشد ـ التي يقوم بها الإنسان الكامل الذي يهمه أمر وجوده، ويحاول بواسطة عقله أن يعرف حقيقته ليخرج من الظلمات التي تحيط به وتقيده إلى النور الذي أطلق سراحه. إن هذه المعرفة (معرفة الحقيقة) هي علامة يقظة الإنسان الكامل، ووسيلته إلى إثبات نفسه كإنسان مسؤول، يعنيه أن تكون آراءه صحيحة، ومواقفه واعية، وأعماله على بصيرة، وغاياته سامية، تتفق وتنسجم مع غايات الوجود.(8).
لقد سعى ابن رشد إلى إدراك الحقيقة بالعقل، حيث يعتبره وسيلة المفكر الوحيدة والصحيحة لإدراك الحقيقة. فالعقل وسيلتنا إلى الحقائق الطبيعية، لأنه هو الذي ندرك به الموجودات التي تحيط بنا بأسبابها الفاعلة، وبأسبابها الذاتية، ولولاه لما كان لنا حدّ، ولا برهان، ولا علم حقيقي.(9). والعقل هو وسيلتنا التي تصل بها نفوسنا إلى معرفة ذواتها، وذلك حين يصل المرء إلى إدراك نفسه، ويصير العالم والمعلوم بالنسبة إليه شيئاً واحداً، ولولا العقل لما كان لنا علم بوجودنا، وما نصبو إليه من سعادة وكمال(10). إن العقل ـ في نظر ابن رشد ـ هو الطريق إلى المعرفة والهداية والكمال، ولهذا يدافع عنه، ويقضي على كل عُدُول عنه، ويحارب كل استعمال سيئ لمناهجه في البحث عن الحقيقة. لقد أعطى ابن رشد العقل المقام الجدير به في البحث عن الحقيقة، ولكنه يبعده عن النظر في الأمور التي تتجاوز مداركه (المغيّبات). ولذلك، فابن رشد يعتمد على العقل في الإدلاء بآرائه، ولا يعوّل إلا عليه من أجل الوصول إلى الحقيقة، بل ويمنحه سلطة مطلقة، ويرى أنه يجب عليه وعلى كل إنسان أن يخضع لها دون خوف(11). وصفوة القول؛ هل الفلاسفة المحدثون، مؤهلون للبحث عن الحقيقة والعناية بها كما كان ابن رشد؟ وإذا كانت الفلسفة وليدة الدهشة، فما وجه الاندهاش الذي تدعونا الحداثة للاضطلاع به كمهمة تخصنا؟.. هذا هو السؤال.
------------------------------------------------------------------
المراجع:
(1)ـ د.بركات محمد مراد/تأملات في فلسفة ابن رشد/نشر الصدر لخدمات الطباعة(سيسكو).
(2)ـ د.زكريا إبراهيم/مبادئ الفلسفة والأخلاق/القاهرة1966.
(3)ـ رمزي نجار/الفلسفة العربية عبر التاريخ/بيروت1977.
(4)ـ د.بركات محمد مراد/المرجع نفسه،ص47ـ50.
(5)ـ ابن رشد/تفسير مابعد الطبيعة/ج1ص5/ط1بيروت1967.
(6)ـ د.زكريا إبراهيم/المرجع نفسه،ص46.
(7)ـ المرجع نفسه.
(8)ـ د. بركات محمد مراد/تأملات في فلسفة ابن رشد،ص35ـ36.
(9)ـ ابن رشد/تهافت التهافت/ج2،ص869 و781 ومابعدها/ط1دار المعارف/القاهرة1965.
(10)ـ د.محمود قاسم/في النفس والعقل/ط3 القاهرة1962.
(11)ـ د.بركات محمد مراد/المرجع نفسه،ص39.
الإنسان كائن محكوم بالحرية , يحمل عبء العالم على كتفيه , فهو مسؤول عن العالم وعن نفسه كطريقة للوجود. نحن نأخذ كلمة (مسؤولية) بمعناها الأصلي (الشعور بكون الإنسان المؤلف- الذي لا يقبل الجدل- للحدث أو الموضوع). بهذا المعنى فالمسؤولية لذاتها ساحقة لأنه (أي الإنسان) هو الأول الذي بواسطته يحدث أن هناك عالما, ولأنه هو الوحيد الذي يصنع كينونة لنفسه. لذلك فمهما يكن الموقف الذي يجد فيه نفسه فال (المسؤولية) لذاتها يجب أن تتحمل كليا هذا الموقف ودرجة خصوصية المحنة حتى لو كانت لا تطاق. ويجب عليه (أي الإنسان) أن يأخذ على عاتقه الموقف بوعي فخور في كونه مؤلفه, لأنه في أسوأ الضرر أو أسوأ التهديدات التي تجعلني في خطر كشخص فان لها معنى فقط فيً وخلال مشروعي وعلى أرضية الالتزام التي تظهر لي عليه . لذلك يبدو من الحماقة التفكير في التذمر لأنه لاشيء غريب قد قرر لماذا نشعر ولماذا نعيش وما نحن , اكثر من ذلك فهذه المسؤولية المطلقة ليست هي الاستسلام , إنها ببساطة الحاجة المنطقية لاستمرارية حريتنا. ما يحصل لي يحصل من خلالي وأنا أستطيع أن لا أتأثر به وأثور ضده كما لا استسلم له. علاوة على ذلك فكل شيء يحدث لي فهو ملكي لذلك يجب أن نفهم أولا أنا أساوي ما يحدث لي كانسان , لأن ما يحدث للإنسان من خلال الآخرين وخلال نفسه هو إنساني لأن أسوأ المواقف فضاعة في الحرب وأسوأ العذابات لاتخلق ما هو لاإنساني من الأشياء فليس هناك مواقف لابشرية, لأنه فقط خلال الرعب , الانطلاق واللجؤ إلى أنواع سحرية من التواصل سأقرر على ما هو لاإنساني , لكن هذا القرار بشري وسأتحمل كامل المسؤولية عنه , لكن بالإضافة إلى ذلك فالموقف لي لأنه صورة من اختياري الحر لنفسي وكل شيء يتمثل لي فهو لي وفي ذلك فهذا يمثلني ويرمز لي. ألست أنا الذي قررت درجة المحنة في الأشياء وحتى ما لايمكن التنبؤ به منها بقراري؟ لذلك ليست هناك مصادفات في الحياة والحدث المشترك الذي يندفع فجأة للأمام ويستلزم وجودي فيه لم يأت من الخارج . إذا تحركت في المعركة فهذي الحرب هي حربي , إنها في خيالي وأنا استحقها أولا لأنني أستطيع أن اخرج منها بالانتحار أو بالهروب منها ثانيا . هذه الاحتمالات القصوى هي التي يجب أن تتمثل لنا عندما يكون هناك سؤال عن مستقبل الموقف بلا حاجة للخروج منه , لقد اخترته هذا هو المطلوب لذاته في مقابل الجبن أمام الناس أو بسبب كوني أفضل قيم أخرى إلى جانب قيمة الرفض للانضمام إلى الحرب ( شعور أقربائي الجيد نحوي , شرف عائلتي ....الخ) وبأي طريقة ينظر إليه فهو مسألة اختيار, هذا الاختيار سيتكرر لاحقا مرة أخرى وأخرى بدون توقف إلى نهاية الحرب. لذلك يجب أن نوافق على عبارة جوليس رومن (في الحرب ليس هناك ضحايا أبرياء ) ذلك لو أنني فضلت الحرب لأجل الموت أو العار فكل شيء سيحدث كما لو أنني تحملت المسؤولية كاملة عن هذه الحرب . وبالطبع فالآخرون صرحوا بها ولربما اعتبرني أحدهم كشريك صغير فيها لكن هذا التصور عن شراكتي في جريمة الحرب هو إحساس قانوني ولا يؤثر هنا لأن الإلزام لم يكن ليؤثر على الحرية المعطاة وليس لدي أي عذر لأننا كما قلنا مرارا أن خصوصية الشخصية في واقع الإنسان أنها بلا عذر لذلك فستظل بالنسبة لي ادعاء لهذي الحرب بالإضافة إلى ذلك فان الحرب هي لي لأن الحقيقة الراسخة برزت في موقف أنا سببته أن يكون وهذا ما أستطيع اكتشافه هنا فقط بوضع نفسي معها أو ضدها ولن أستطيع أن أميز في الوقت الحاضر الاختيار الذي اصنعه لنفسي عن الاختيار الذي اصنعه للحرب. أن أعيش هذه الحرب يعني أن اختار نفسي من خلالها وأن اختارها من خلال اختياري لنفسي وليس هنالك سؤال عن اعتبارها (كعطلة أربع سنوات) أو ك (عفو) أو تراجع فالجزء الأساسي من مسؤولياتي أصبحت في مكان آخر , في زواجي , في عائلتي أو حياتي العملية . في هذه الحرب التي اخترتها قد اخترت نفسي يوما بعد يوم وجعلتها لي بصنعي لنفسي فإذا ما أصبحت أربع سنوات خالية فأنا أتحمل مسؤولية هذا. في النهاية وكما نوهنا سابقا كل شخص هو مطلق الخيار لنفسه من أول معرفة له بالعالم وتعقيداته والذي يكون فيه هذا الخيار افتراضا ومعرفة . كل شخص هو تفاعل مطلق في لحظة مطلقة وهو لا يفكر في زمن آخر , لذلك يبدو أنه من قبيل تضييع الوقت السؤال عن ماذا سأفعل فيما لو لم تنتهي تلك الحرب لأنني أنا الذي اخترت نفسي كواحد من المعاني المحتملة من العهد الذي أدى تدريجيا إلى الحرب. أنا لست مميزا عن تلك الفترة نفسها ولا أستطيع الانتقال إلى فترة أخرى بلا تناقض وهكذا فأنا هذه الحرب التي تحدد وتقيد وتجعل الفترة التي قبلها مستوعبة وبهذا المعنى يمكن لنا أن نعرف مسؤولية أل(لأجل) ذاتها بدقة أكثر بالعودة للتعريف السابق (ليس هناك ضحايا أبرياء ) ونضيف إليها (لدينا الحرب التي نستحق) وهكذا تبدوا , حرية كاملة غير مميزة عن الفترة التي اخترتها لتكون ذات معنى مسئول عن الحرب بعمق كما لو كنت أنا الذي أعلنتها وغير قادر على العيش بدون توحيدها مع موقفي , ملزم بها كليا ومنقوشة بخاتمي , يجب أن لا أكون نادما أو آسفا كما لو أنني بلا عذر , لأنني منذ مجيئي العاجل إلى الوجود وأنا أحمل عبء العالم لوحدي بلا أي شيء أو شخص قادر على إرشادي. مع هذا النوع من المسؤولية قد يسأل شخص ما قائلا:( أنا لم أطلب أن أولد) وهذه طريقة ساذجة كونها تلقي تشديدا أكثر على حقيقتنا , فأنا مسؤول عن كل شيء في الواقع ما عدا مسؤولية وجودي لأنني لست الذي أوجدني لذلك فكل شيء يحدث كما لو كنت مسؤولا عنه . أنا مهمل في هذا العالم ليس بمعنى أنني سأبقى مهملا وسلبيا كلوح طاف على الماء في كون عدائي لكن بمعنى أنني وجدت نفسي لوحدي نوعا ما وبلا مساعدة , متورطا في العالم الذي يجب علي فيه أن أتحمل المسؤولية كاملة دون أن أقدر عليها ومهما سأفعل فإنني سأبعد نفسي عن هذه المسؤولية بالذوبان فيها لأنني أنا المسؤول عن رغبتي بالهروب أو بجعل نفسي سلبيا في هذا العالم . إن رفضي أن أتحرك باتجاه الأشياء والآخرين يبقى اختياري أنا ولربما كان الانتحار هو أحد طرق رفض الوجود في هذا العالم . مع ذلك فإنني أجدها مسؤولية مطلقة لأن حقيقة وجودي (ولادتي) غير مفهومة وحتى غير معقولة لأنها لا تبدو أبدا كحقيقة عارية لكنها تبدو دائما في عملية بناء لأجل ذاتها هذا الاختيار نفسه يؤثر بشكل كامل على الحقيقة منذ أن كنت غير قادر على اختيار ولادتي , لكن تلك الحقيقة في المقابل سوف تظهر هناك فقط عندما أتجاوزها باتجاه نهايتي . وهكذا فالحقيقة في كل مكان لكنها غير مستوعبة وأنا لا أعاكس أي شيء سوى مسؤوليتي لذلك لا أستطيع أن اطرح السؤال (لماذا ولدت ؟ ) أو العن يوم ولادتي أو أعلن أنني لم اطلب أن أولد ,لكل هذه الأسباب المتعلقة باتجاه الحقيقة اعني بولادتي فإنني أدرك أن الوجود في هذا العالم هو لاشيء مطلقا غير طرق لافتراض أن هذه الولادة بمليء مسؤوليتها هي مصنوعة لي . مرة أخرى فأنا أصارع فقط نفسي مشاريعي لذلك فاستسلامي في النهاية هو استسلام حقيقي والذي يتضمن ببساطة أنني مدان كوني مسئولا كليا عن نفسي فانا الوجود الذي في وجوده, بحال ما, أوجد نفسه عن طريق التساؤل ووجودي هذا هو ما يمثله الحاضر وهو وجود غير مستوعب.
هذا الشكل السردي المـقدس ساهم في تكييف المشاعر الإنسانية مع فزعها، وأقر نظاما رمزيا قادرا على إحلال الطمأنينة بإمـكانية الانبعاث من جديد، مكان الشعور بالخوف من الفناء الأبدي، فحسب جيمس فرايزر "إنه في أعياد أدونيس التي كانت تقام في آسيا الصغرى، والبلاد الإغريقية، كان الناس يندبون موت ما يعتقدون أنه الإله كل سنة، وينوحون عليه نواحا مؤلما، ولا سيما النساء. كانوا يحملون تماثيله، في شكل جثمان ميت، ويشيعونها للدفن، ثم يلقون بها في البحر أو الأنهر. وفي بعض الأماكن يحتفلون ببعثه في اليوم التالي". إن توالي الـنواح والاحتفال عند عبدة "أدونيس" ليؤكد قدرة النسق الأسطوري على إنتاج ثقافة الهروب من وجه الفناء، والاحتماء بفكرة الانبعاث. ويكون الماء خلال ذلك هو العـنصر الطبيعي المـساعد على عملية بعث الحياة في جثمان الإله الميت ولأن النسق الأسطوري يخالف منهجيا أنساق العلم ومفاهيمه المبنية على أساس قانون السبب والنتيجة، فإن الـميثولوجيا قرنت الماء، باعتبـاره مدخلا لاستعـادة الحيـاة من جديد، بالإلــه دوموزي الذي جعلتـه ابنا للمـاء و"مجدد طاقة الحياة وحافظ قوى الخصوبة والنماء، هو في الوقت نفسه قاهر الموت الذي حرر نفـسه من قوى العالم الأسفل. من هنا فإنه الإله الوحيد القادر على إعطاء الإنسان أملا في تحقيق الخلود، والأخذ بـيده عبر برزخ الموت نحو عالم آخر أكثر بهجة وسعادة من عالمه الأرضي. إن موت الإله جريحا هو إعطاء الفرصة لخلق الإنسان من تربة الأرض ممزوجة بدمه، وهو ما سيـمكن الإنسان من أخذ تكوين مزدوج فــيه العنصر المادي (التربة)، وفيه العنصر الروحاني (دم الإله القتيل). ومن هذا الطرح نستنتج حرص الميثولوجيا على البحث الدائب عن تأسـيس حياة تتوفر لها عناصر القوة والإخصاب والتجدد لمواجهة الفناء الكلي أو الشعور بالهشاشـة والعدم. ففي الأسـطورة البابلية "إيتانـا والنسر" ــ وإيتانا هو ملك جعلته الآلهة على مدينة "كيش" ــ ينقض النسر ميثاقه مع الحـية فيأكل صغارها، فيتدخل الإله "شمش" لإنصاف الحية فيـمكنها منه حيث تنتزع مخالبه وتنتف ريشه وتلقي به في قاع بئر. فيعمل الملك "إيتانا" على إنقاذ النسر بإيحاء من "شمش" كي يلــحق به إلى السماء بحثا عن نبتة الإخـصاب، لأنه كان عاقرا وكان بحاجة إلى ولي للعهد. وتمدنا هذه الأسـطورة بأبعاد رمزية نختزلها في الترسيمة التالية : أكل صـغار الحية - البحث عن نبتة الإخصاب - الهبوط إلى قاع البئــــر - الصعود إلى السماء. ذلك أن أكل صغار الحية هو طقس لاكتــساب القوة والخـصوبة "الأفعى في ثقافة الشرق رمز للشفاء"، والهبوط إلى البئر هو إجراء طقسي؛ إذ على النسر أن يموت ليـتطهر في باطن الأرض الأم، ولكي يبعث من جديد معافى ومزودا بالإخصاب والقوة. أما الصعود إلى السماء فهو انطلاق في طلب النبتة التي تتعهدها عشتار إلهة الخــصوبة بالرعاية. لقد عرف العهد الميثولوجي كيف يكيف مفهومه للموت، فينفي عنه كل تصور يقود إلى الشـعور بالعبثية واللاجدوى، بل حوله إلى مصدر للسعي وراء الحياة الخصيبة التي لا تتحقق إلا عن طريق الموت المفضي إلى العثور على سر الصلابة والاستمرار. وإذا كان موت الجـسد هو المعبر الأساسي من أجل اكتساب القوة والخصوبة، فإن تحلل أعضائه واندثارها في التراب طرح مشكلة بيولوجية تتجلى في إمكانية انـبعاث الجسد مرة أخرى. وهنا ستـتعدد طرق هذه الاستعادة بحسب تكوينات المجتمعات الميثولوجية وطبيعة ثقافتها. ففي اعتقاد "الهورن" من الهنود الحمر أن دفن الأطفال قرب الطرقات من شأنه أن يسهل دخول أرواحهم في النساء العابرات، فيولدون مرة ثانية. كما أن بـعض الزنوج في غرب إفريقيا يلقون بأجساد الأطفال بين الشجيرات الكثيفة لكي تتمكن أرواحهم من اخــتيار أمهات جديدات من النـساء المارات بهم. أما الرومان والإغريق فقد آمنوا بأن أرواح الموتى تتقمص في الأفاعي، لذلك عاملوا الثعابين برفق، فكانت تؤوى وتطعم بأعداد غفيرة. ومن الممكن أن الصورة الشائعة في الفن الإغريقي والتي تمثل امرأة تسقي ثعبانا من صحن، مأخوذة عن عادة إطعام أرواح الموتى الراحلين، إلا أن انبعاث أجساد الأطفال بهذا التـصور يمر بطور التكوين الأول ــ المرحلة النطفية والجنينية ــ قبل أن تخرج إلى الوجود أجسادا حقيقية. ولربما كان إصرار بعض الأسر على منح أسماء موتاها للمولودين الجدد تأكيدا لبقاء عقيدة التقمص أو التناسخ عندهم وامـتزاجها بتقاليدهم. إن استعادة الاسم ــ بهذا الإصرار ــ بعث لجسد المسمى وتخـليد له، وإن كان تطور الفكر البــشري يفسر هذه الظاهرة بالتـيمن بذكرى الفقيد، أو تكريمه بحفظ اسمه من الضياع والتلف. وهذه الممارسة مـــا تزال شائعة بين عدة أجناس ومن بينهم العرب ولعل الإغريق والسوريين القدماء الذين عبدوا الإله" أدونيس" أكثر الأمم تجريدا لفكرة البعث، حينما قالوا بانبعاث الروح دون الجســد وهذا ما سيفسح لتطور الفكر البشري في تأمله للموت وتفسيره فيما بعـــد. ففي أسطورة أدونيــس أنه لما قتــل آريس ـ إله الحـرب ـ أدونيس بإيعاز من "برسيفوني" ربة الموتى التي كانت تتقاسم حبه مع "أفروديتا" ربة الحب والجمال، حكمت الآلهة بانبعاثه من جديد لئلا تنفذ "أفروديتا" تهديدها بالانتحار، فيختفي الجمال من عالم البشر، لكن انبعاثه، هذا، لن يكون جسديا؛ وإنما تصعد روحه فقط، فيقضي مع أفروديتا نصـــف عام ــ الربيع والصيف ــ ليعود بعد ذلك إلى العالم السفلي في النصف الثانــي من العام ــ الخريف والشتاء ــ. وأسطورة أدونيس، ههنا، تحل مشكلتين" فهي من ناحية تطرح البديل الرمزي للشعور البشري بالخوف من الاندثار والفناء المطلقين، ذلك أن تحلل الجسد وانطفاء جذوة الحياة فيه لا يعني ذهابه إلى غير رجعة، فقد وجدوا في صعود الروح وانبعاثها من جديد أملا في تحقيق وجود أكثر طهرا ونقاء من مرحلة وجود الجسد المرهون للفساد والتعفن. من ناحية ثانية: أفادتهم الأسطورة في تفسير نسقي ومنطقي لتبدل الطبيعة من حال إلى حال. وهنا نراهم ينجحون في تحويل الأسطورة إلى واقع، والواقع إلى أسطورة دون المساس بنسقية التفكير، ودون الوقوع في التناقض. فعندهم أنه "ما زال أدونيس حتى اليوم، يغادر عالم الموتى مع نهاية الشتاء ليصل إلى عالمنا مع قدوم الربيع.تستقبله الطيور فرحة مسرورة. تحتفل بقدومه الأزهار والورود. تخضر الأشجار على اختلاف أنواعها. تنشر أفروديتا أمامه وحوله الزهور اليانعة والنباتات المثمرة. يسعد العالم بلقاء أدونيس مع ربة الجمال، لكن سعادته لا تطول. سرعان ما ينتهي فصل الصيف ويصبح الشتاء على الأبواب. سرعان ما تذبل الأغصان النضرة، وتتساقط أوراق الأشجار، وتختفي الأزهار وتموت النباتات، وتجف أغصانها وجذوعها. هكذا نعيش كل عام، ننتظر قدوم أدونيس مع بداية الربيع، ونودعه في بداية الخريف. لقد واجهت الأسطورة الإغريقية الموت بأسلحة رمزية متعددة، بل إنها أوشكت أن تنتصر عليه عن طريق الفن، وبالموسيقى تحديدا، والانتصار المشار إليه هنا كاد أن يكون كليا، أي بالقدرة على استرجاع الجسد الحقيقي للميــت، وهذا ما توثقــه أسطورة "أورفيوس" فعندمــا ماتت "يوروديكي" زوجة أورفيوس ومعشوقته بلدغة الثعبان، حاول العاشق الولهان استعادة زوجته، وذلك بالهبوط إلى العالم السفلي ــ عالم الأموات ــ فاستعطف رب الأرباب "زيوس" الذي لبى طلبه، وإن كان يعلم أن طلبه سيوصله إلى الهلاك لا محالة. وبأنامله الماهرة التي كان يمررها فوق أوتار قيثارته استطاع أن يلين قلب خارون "المكلف بنقل الموتى في قاربه إلى العالم السفلي فوافق على نقله إلى شاطئ الموتــى حيث مملكــة "هاديـس" إلـه الموتـى. وعند الـمدخـل اعـترضه حارس البوابــة "كربيوس" وهو كلب ضخم بثلاثة رؤوس وأنياب ترعب الناظرين. وكاد "أورفيوس "أن يستسلم لحتفه لولا أن تذكر قيثارته. فبدأ يعزف عليها إلى أن هدأت ثورة "كربيوس" الذي سمح له بالدخول. وأمام الإله هاديس وزوجته برسيفوني اللذين دهشا لوجود واحد من الأحياء في مملكتهما، طفق أورفيوس يعزف لحنا حزينا مؤثرا، فأشفقا عليه وسمحا له باصطحاب زوجته يوروديكي إلى عالم الأحياء شريطة ألا ينظر إليها ما دام في العالم السفلي، وألا يفعل ذلك إلا بعد مغادرته إلى عالم الأحياء. وفي اللحظة التي خرج فيها أورفيوس إلى عالم النور التفت بشوق كبير ليحضن زوجته الحبيبة، فحدث الذي لم يكن في الحـسبان، لقد أخطأ التقدير، لذلك اختفت الزوجة وهي تصرخ بالوداع، وعادت من حيث أتت. لقد استطاع "أورفيوس" أن يقهر الموت بفنه، لكن سوء تقديره جعل الموت يتغلب عليه، فرجع خائبا لينغمس في أحزانه وعذاباته. فعاش في الغابات يعزف ألحانا شجية إلى أن التقى ذات يوم بالباخيات ــ وهن نساء من أتباع الإله باخوس ــ يمرحن ويرقصن ويمزقن كل من لقينه من البشر. فألححن على أورفيوس أن يعزف لهن ألحانا مرحة فرفض. فهددنه بالقتل، فلم يجد بدا من مـسايرتهن لبـعض الوقت، فبدأ يعزف ألحانا مرحة والباخيات يرقصن في نشوة. لكن الفنان الحقيقي لا يمكنه أن يجاري التصنع، فما لبث أن تحركت أنامله على إيقاعات قلبه الحزين، فما كان من الباخيات إلا أن قطعنه إربا إربا، وانفصل رأسه عن جسده، وهو يصرخ وداعا يوروديكي. وإذا كانت أسطورة أورفيوس تضعنا أمام مواجهة الفن للموت وقدرته على مغالبته، فإنها في الوقت نفسه تعطي الغلبة للموت بتبريرات غير مقنعة؛ يتمثل الأول في عدم قدرة الإنسان الحي على الصبر الكامل، ويجسده نفاد صبر "أورفيوس" والتفاته لمعانقة زوجته قبل أن تعبر قدماها عتبة عالم الموتى، فتلغى للتو إمكانية انبعاثها في عالم الأحياء. ويتمثل التبرير الثاني في عدم قدرة الفنان الصادق على مجاراة الافتعال والتصنع، فيتسبب صدقه في موته. وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الإنسان لكي يكون صادقا مع نفسه فينبغي أن يرهنها للتضحية. يتجلى التبرير الثالث في أنه لا وجود للحب المطلق إلا في تماهيه مع الموت أو اقترانه بها. فيصبح الموت ــ حينئذ ــ معادلا موضوعيا للحرمان. مع الحرمان تشتد الرغبة وتستعر الأنفاس، لذلك يواجه المحبون الحقيقيون دائما مصير الموت لكي يستمر حبهم حيا. وإذا كنا نصادف هذه الحقيقة في الأنماط العليا بما فيها الأساطير، فإنها ستتكرر على أرض الواقع من خلال تجارب العشاق وصرعى الحب في التراث العربي بشكل خاص، وفي التراث الإنساني بشكل عام. لقد شكلت الأسطورة مرجعية أساسية للشعراء على مر العصور، وتعددت أشكال حضورها في النصوص الشعرية تبعا لتكوين الشعراء وطبيعة ثقافتهم. فمن الاستعادة الكمية التي لا تراعـي مبدأ الامتصـاص وإعادة الإنتاج، إلـى الاستعادة الـرمزيـة التي تطـمـح إلى خلق نموذجهـا الأسطوري الخـاص، بالإضافة إلى استعادات أخرى تتراوح بين استثمار الرمز الأسطوري استثمارا جديدا يكسبه أبعادا حيوية معاصرة وبين استثمار شحنته الرمزية دون الإحالة على تسميته الشيء الذي يضفي على هذه الممارسة خصوبة دلالية شديدة الإيحاء... فحسب يونغ "إن المجتمع الذي يفقد أساطيره ــ بدائيا كان أو متحضرا ــ يعانــي كارثة أخلاقية تعادل فقدان الإنسان لروحه. وعلى هذا الأساس، كان على الشاعر العربي المعاصر المتشبع بالثقافة الميثولوجية أن يتحصن من أشكال الموت المتعددة التي تواجهه، عن طريق بناء أسطوري جديد يخلقه من الأصول الميثولوجية السابقة، ويمنحه قوة المواجهة بإمداده بعناصر فكرية وجمالية يتيحها التطور وتغذيها الانعطافات الجديدة التي عرفتها رؤى الشاعر المعاصر للذات والوجود. إن استمرارية الأسطورة في التداول التنظيري، وفي الممارسة الإبداعية خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع "الموت له دلالة قاطعة على أن تطور العلم والفتوحات التي عرفها العقل البشري لم يحسما هذه المعركة المثارة منذ القديم بين الإنسان وبين مصيره؛ فالعلم وإن تمكن من إطالة العمر، فإنه لم يقو إلى الآن على إلغاء الموت؛ والعقل وإن أقنع الإنسان بمراجعة خوفه من قدره، فإنه لم يحمه من الإحساس بالإحباط والعبثية. من هنا كان اللجوء إلى إعادة توظيف الأساطير القديمة بطريقة فنية تضمن لها التفاعل مع الحياة المعاصرة، وتضمن للإنسان انسجامه في حياته وتكفل له الشعور بالجدوى؛ بل قد تمده بطاقة من المعاني والرموز التي تجعله في مستوى مواجهة كل التحديات. وليست هذه الأساطير المعاصرة سوى هذه النصوص الشعرية المعاصرة في تكامل مكوناتها البنائية والدلالية، سواء أكانت تستحضر أساطير معينة من الميثولوجيا الإغريقية والعالمية من أجل استثمارها استثمارا جديدا، أو كانت تبتكر نماذجها الذاتية التي تبوئها مرتبة الأسطورة وعمقها. واللجوء إلى استثمار الأساطير يبرره أن فيها نزوعا إلى "تجاوز العلاقات والنسب وردود الأفعال العادية للحياة، أي أن لها منطقا يختلف عن المنطق العادي، يعتمد على استمداد الخيال الطليق، ولا يخضع للعقل وإن كان لا يجافيه في احتوائه عادة على منطق العلة والمعلول أو السبب والغاية. الأسطورة إذن لا معقولة، ولكنها ليست منافية للعقل". كما أنها تمد القيم الروحية بأسباب استمرارها، في عصر يتحول فيه كل شيء بفعل هجمة الحضارة المادية التي أوشكت أن تحول الإنسان إلى آلة تدور على خواء ولا تنتج إلا موتها. إن الموت في غياب الأسطورة يمكن أن يصبح مصدرا للفزع أو للانخراط في حياة لا معقولة. وقد انتبهت الأمم البدائية بوعي أو بلا وعي إلى مصيرها المختوم بفناء الجسد، فأوجدت الميثولوجيا وأحاطتها بطقوسها الاحتفالية، وكرستها ضمن عاداتها اليومية لتحقيق توازن وانسجام خلال صراعها مع الزمن. فكان أن نفت مفهوم الموت السلبي من قواميسها، وأحلت محله الشعور بالحياة والموت كوجهين لعملة واحدة؛ لذلك أكدت على الانبعاث وجعلته حقيقة قائمة في الواقع، وحشدت له الأقاصيص الخارقة والأبطال الأسطوريين، وتوجته نموذجا أعلى يتكرر على الدوام. وليست أساطير الموت وطقوسه حكرا على أمة دون أخرى، أو على عصر دون آخر؛ فإذا كان الموت مصيرا موحدا، فإن مفهومه وطرق التعامل معه تختلف من بيئة سوسيوثقافية إلى أخرى. فعند الأفارقة ـ مثلا ـ يبقى للموتى حيز محترم، وهم وإن قبروا فإنهم يتجلون للأحياء بطرق متعددة" في الأحلام، وفي منظومة الدلالات التي يجب فك رموزها؛ سواء بـظهور علامات ذات امتياز في هيئة بشرية أو حيوانية" كل مجتمع يملك علاماته السوسيوثقافية . هنا الأفعى، هناك الحرباء أو بإظهار فرحهم من خلال أمطار الخير، أو غضبهم من خلال كوارث، جفاف، أوبئة، موت حيوانات. إن الموت حسب د زهان D. Zahan يكتسي طابع الضرورة من غير أن يدمر الأمل في العيش؟ وبعض المجتمعات في السينغال تذهب إلى حد تكليم الموتى في محاولة كشف سبب وفاتهم. ويورد الباحث الأنتربولوجي لويس فإنسان توما L.V.Thomas نص الأسئلة التي يوجهها الشخص المؤهل لمحاورة الجثة مرتبة كما يلي: ــ هل هي نهاية الحياة ؟ ــ من قتلك ؟ هل مت بسبب شخص ؟ ــ ربما تكون قد عصيت البوكيين (Bockiin) الملكي ؟ ــ هل أخذك الـ (هوفيلا (إليه ؟ ــ هل أخذك الـ (بنكوليم) إليه ؟ ــ هل أخذك الـ (كوهولنج)إليه ؟ إلخ . . . وهذه السلسلة من أسماء العفاريت قد تطول. وإذا كانت الأجوبة بالنفـي (تراجـع الجثـة إلى الوراء)، فإن طبيعة الأسئلة قد تأخذ مسارا آخر: ــ هل قتلك شخص ؟ وإذا بقي الجواب بالنفي، فإن المستجوب يسأل سؤالا أخيرا: ــ إذن كان من المحتوم أن تموت اليوم. إن الوثوق من ردود الميت اعتراف بحياته الأخرى التي صار يعيشها خارج الجسد المرهون للتعفن والتدنس.وربما كانت حياته الثانية أكثر حضورا ومشاركة في الجماعة التي ينتمي إليها؛ وهو يستطيع التأثير بقوته المكتسبة من موت جسده في أحوال جماعته، كالتعبير الرمزي عن فرحه بإنزال المطر، وعن غضبه بتسليط الكوارث الطبيعية التي أشرنا إليها سابقا. لنقل، إذن، إن الأسطورة الأفريقية ترتفع بموتاها إلى درجة التأليه الذي نصادفه في الميثولوجيا الإغريقية والسومرية. 2- الموت و الفلسفة: إننا لم نولد أحرارا قطّ، إننا محكوم علينا بالحياة، قبل أن نكون محكوما علينا بالموت. قولة قد تبدو بسيطة في صياغتها ولكنها تشير إلى مدلول فلسفي عميق، صرخة مفعمة بغير قليل من الشعور المزدوج بالاغتراب. فهو اغتراب الإنسان الذي لم يختر ولادته فوجد نفسه مورطا في هذه الكينونة المفروضة، وهو اغتراب الإنسان الذي صار محكوما عليه بالموت بمجرد أن دوى الوجود بصرخته الأولى. قد يمكن خطأ الإنسان الأول في اعتقاده بإمكان مواجهة الموت والفناء بمزيد من النسل الذي يملأ الفضاء، ظنا منه أن البدن يخلف البدن، والتراكم يعوض النقص، وهي رؤية توافق تماما نزوعه الطبيعي في مرحلة ما قبل الثقافة؛ ذلك أن "الإحســاس بالموت ينبــثق من الثقافــة بدرجــة تفوق انبثاقه من الطبيعة". وهذا يعني أن بحث الإنسان البدائي عن المعرفة خلال أطوار تطويعه لمصاعب الحياة ــ قاده بخطوات حثيثة إلى لقاء غير مرغوب فيه بالموت. وهذا الطرح المنطقي لعلاقة المعرفة بالموت يحيلنا بعنف على الخطيئة الأصلية الّتي نقلتها الأديان عن قصة طرد آدم من الفردوس بعد أن تجرأ على الأكل من شجرة المعرفة فعرض نفسه ونسله للنسبية الزمنية وللموت بعد أن كان ينعم بالخلود. فأي مفهوم للموت لا يمكن أن يكون إلا ثقافيا، وأي شعور بالخوف منه لا يتعمق إلا بإعمال التفكير وتشغيل الطاقات التخيلية حيال مصير الإنسان المحاط بكل الأسباب والشروط المهددة بموته. فشرط الوجود الجسدي خلق بالغريزة الحرص على المحافظة عليه، ثم نما الشعور الغريزي بما تراكم من خبرات ومهارات ترجمها الوعي إلى أفكار مجردة تتطور باستمرار آخذة في بلورة نسقها الذي تمثل ــ بداية ــ في التفسير الأسطوري قبل أن تهجم الفلسفة الإغريقية عليه من خلال صراع العقل مع المنظومات السحرية والطقوسية. في محاولة الإقناع بأن الخبرة بالقدسي لا يمكن اكتسابها بنشوة صوفية يخلقها الطقس. ولا برؤية ميثولوجية تقدمها الأسطورة، كما يرى أفلاطون مثلا. من هنا نرى أن الفلسفة اليونانية برمتها قامت على أساس تعلم الموت أو التدرب على مواجهته، فهذا سقراط يصرح أمام أتباعه قبيل تنفيذ حكم الإعدام فيه" "إن أولئك الذين يوجهون أنفسهم في الطريق الصحيح إلى الفلسفة يعدون بذلك مباشرة وبمحض إرادتهم، يعدون أنفسهم، لأن يموتوا وللموت. وإذا كان هذا صحيحا فهم، إذن، في الواقع يتطلعون للموت طول حياتهم. ومن غير المعقول إذن أن يضطربوا عندما يقدم الشيء الذي كانوا لأمد طويل يعدون أنفسهم له ويتوقعونه. والفلسفة بهذا المعنى تمرين فكري يعمل على إضعاف الهواجس والشعور بالخوف من الموت. أو هي فن التهيــؤ للمــوت بشجاعــة. بل أكثــر من ذلك يجهــر سقراط في يومــه الأخيــر بــأن "الفلاسفة الحقيقيين يجعلون الموت مهنة لهم". وبالنسبة له فإنه يفرق بشكـل قطعي بين الروح والبدن، فالبدن مرهون بما هو طبيعي خاضع لتغيراته وطوارئه، في حين ستستقل الروح بحريتها وبارتفاعها عن الزمن، وأي زعم باختلاطها بالبدن سيجعلها عرضة للقلق والخوف أمام موتها. لذلك كانت الحياة النفسية مرانا طويلا إراديا لتخليص الروح من البدن. وربما كانت هذه الفكرة قريبة من تخريجات أفلاطون الذي يدعو إلى تسليم البدن للزمن والموت، والبحث عن الحياة في مكان آخر. ولن يكون هذا المكان الآخر متحققا إلا في اكتساب المعرفة الخالصة. وقد بنى أفلاطون تصوراته عن الروح انطلاقا من التفريق بينها وبين البدن الذي أشرنا إليه قبل قليل فإذا "كان البدن يرد إلى التراب فإن الروح ترتبط بالموضوعـات الخالدة ولا تخضع لأي تغير" إن الفلسفة اليونانية كما عند سقراط وأفلاطون تحاول الانتصار على الموت بالتأكيد على خلود الروح في العالم الآخر، بل إن الشخص الذي وجدت فيه هذه الروح سينعم هو الآخر بذلك الخلود. " ففي الخطاب الأخير لسقراط أمام المحلفين نراه يتوقع مباهج الحوار مع أرواح عظيمة مثل أورفيوس وهوميروس وأنه سيحاول أن يكتشف في هذا العالم الآخر، كما فعل في هذا العالم الراهن: أيهم الحكيم وأيهم يدّعي الحكمة وليس كذلك. وهذا يعني أن هناك تعارضا بين هذا المفهوم والمفهوم الأبيقوري الذي يجعل الموت لحظة حاسمة تتلاشى فيها الذرات المكونة للجسد والروح معا لينعم الكائن البشري بعدم مطلق بعد فنائه. وإذا كانت الفلسفات القديمة قد انشغلت بالموت كمفهوم أنتولوجي شامل في سياق علاقة الجــسد بالروح مع تــباين واضح في القــبول بالتفـــسير الميتافيزيقي المتعالي أو رفضه، فإن الفلسفة المعاصرة قد واصلت أسئلتها حول الموت ولكن بإيقاعات مختلفة مع استحضار للتراكم الفكري القديم كمرجعية أساسية لم تفتقد طراوة التأمل وإمكانيات التفسير. كما أن ظهور علوم أخرى في إطار البحث الفلسفي كالانثربولوجيا وعلم النفس، قد ساهم بكيفية بارزة في إثارة موضوع الموت ومعالجته من زوايا متعددة. وقد تنوعت مفاهيم الموت تبعا للتوجه الذي يصدر عنه الباحثون. حيث نجد أن معظم الأطروحات الفكرية تركز على تعريف الموت كفعل ثقافي أكثر منه كفعل طبيعي. وهكذا نرى أن حقيقة موت (الآخر) تجلى في موت ما كان يتميز به من أخلاق وسلوكات أكثر ما تتجلى في تحوله إلى جثة فاقدة لكل حركة. فعند برينو كاست Bruno Castes " أن موت شخص محبوب، يعني موت شيء مرئي في الشخص الحي المحب، شيء يفتقد ويموت فينا" فالحب والعطف والطيبوبة يمكن أن تعوض أو تسترجع، ولكن ليس بنفس الخصوصيــة التي كان يسبغهــا الميت علينــا". هنا فراغ يخلق. ومعنى ذلك: "أن تموت يعني أن تقتل في "الآخر" كل شيء حي كوّنه عنك. فالميت يصبح قاتلا للعلاقة الطيبة التي سبق أن ربطها مع "الآخر" وسالبا لها. أما عن تأثيره كجثة، فهو يمنحنا فرجة ما سيحدث لنا: التحول إلى جثث. إن الموت لا يكتسب فداحة الشعور برهبته إلا في سياق العلاقة بالآخر، ولذلك تكمن في الإنسان "غريزة الموت التي تعبر عن محاولة المرء العودة إلى حالة ما قبل الكينونــة، وهي حالة الكينونة بلا آخــر l'autre أي حالة اللاموضوع". ولربما عبر الانتحار عن عمق هذا الشعور باعتباره فعلا موجها من المنتحر إلى الآخر عقابا له أو تنبيها له عن خطأ كبير ارتكبه في حقه. وقد يكون الانتحار فرارا من ألم ما فيصبح الموت ملاذا ومأوى. ويعتقد روسيه Rousset أن النوم والانقطاع والحاجة إلى النوم والرغبة في الانقطاع كلها تمثل بالنسبة للمحلل النفسي أشكالا أخرى للموت. وهي كلها أشكال تدل على وجود غريزة الموت في الإنسان. وهناك مفهوم اجتماعي للموت استطاع أن يرقى إلى إذاقة الإنسان طعم الموت وهو حي يرزق، فقد "أقر في الكابون قانون كل محكوم عليه بالإعدام لا يقتل بل يشطب اسمه من الحالة المدنية، كما لو أنه لا يوجد، أو أنه منــبــوذ. إنه مــوت أقوى من أي مــوت آخر، إنه موت اجتماعي". من هنا يتضح أن الإنسان استنتج من الموت الطبيعي للجسد تصورات ثقافية من أجل إقرار الموت كمفهوم رمزي يتجاوز آثار الانفصال التي يسببها موت الجسد. ثم، لِمَ ننظر دائما إلى الموت كحدث سلبي يفقدنا بهجة الحياة؟ فالموت يشكل مصدرا للدخل والكسب، فبفضله تباع التوابيت النفيسة والأماكن المفضلة في المقابر، ولا ننسى بائعي الزهور والأكاليل. وكل ذلك يصبح بشكل تلقائي مصدرا للكسب. إن الموت ــ بهذا الطرح ــ يغدو مكملا لدورة الحياة التاريخية، فموت شخص ينتج عنه تفعيل لحياة أشخاص آخرين يرتبط شرط استمرارهم في الحياة بما يعقب الجنازة من بذل وإنفاق وإرث. وقد يكون الميت سفاحا أو ديكتاتورا بوصفه مسببا لموت الكثيرين، فيخف ــ بموته ــ إيقاع الهلاك. ومع ذلك تصبح هذه النظرة ممعنة في بساطتها، إذ لا تملك قدرة المواجهة الوجودية لما يتهدد حياة البشر. وهذا هو السبب الرئيس الذي دفع بعدد من المفكرين إلى دخول حلبة التأمل من أجل استنتاج أي تخريج عقلي يمنح الإنسان الشعور بالطمأنينـة. فعنــد كيركيجاردKierkegaard "أن الموت شيء لا يمكن تجنبه من حيث أننا أشخاص تاريخيون حقا. ولهذا السبب فإنه ليس حيلة أو خدعة قاسية من الطبيعة، ولا هو شيء مفروض غير عادل من القدر. فليس هناك أي شر في الموت. وفي الحقيقة ليس هناك شيء نهائي يمكن أن يقال عن الموت، لأن المــوت هو في نهايـة الأمر مجــرد حدث في تيار الصيرورة الذي لا يتوقف. وبالنسبة للفلسفة الوجودية فإنها تؤكد أن الإنسان لا يدرك موته في حقيقة الأمر إلا من خلال علاقته بموت الآخر، خاصة إذا كان هذا "الآخر" قريبا أو عزيزا، مع أنه على علم بأن الموت يساعد "على تقويس الخط المستقيم الذي يسلكه منطق الحياة، ولا يزال ممعنا في حركته حتى يصيره دائرة تعطي للزمن فرصة الدوران حول نفسه والتفرج على حقيقة تعاقب الموت والحياة بطريقة تبادل الفعل والانفعال، تماما كما يحدث في رقعة الشطرنج : موت الشاه إيذان بانتهاء اللعبة ودعوة إلى بدئها من جديد ومن ثم لا يستطيع المرء أن يدرك موته الشخصي" فمادام حيا لا يتذوق الموت، وعندما يموت يكون الإحساس قد فارقه بمعنى أنه يعيش تجربتين منفصلتين لا تمكن إحداهما من إدراك أخرى. وقد كان ذلك سببا في الشعور بالعبث الذي أنتجه الوجوديون في شكل كتب نظرية وأخرى إبداعيـة. فحسب أبيـقـور "إذا كنا، لا يكون الموت، وإذا كان الموت لا نكون". وقد حاول أن يعالج مشكل الخوف ويحلل دواعيه. ومن ذلك خوف الناس من عقاب الآلهة على أعمال ارتكبوها، أو خوفهم كذلك من أن يولدوا من جديد بعد موتهم في أوضاع لا يرغبون فيها؛ لذلك يطمئن الخائفين من ذلك بقوله إن العالم ليس فيه آلهة نطيعهم ولا نظام كلي شامل علينا أن نلتزم به. وهو يرى أن الحياة عارضة لم توجد لعلة أو سبب؛ فكما ظهرت بالمصادفة فإنها ستختفي بذات الطريقة، ولا يبقى من أثر، وما دامت الروح مثل البدن مكونة من ذرات "مادية" فهي لن تحيا بعد موت البدن. أما قضية الخوف من انتزاع الموت للذة السرور، فيعالجه أبيقور بما يلي: فما دمنا لا نستطيع التنبؤ بالمستقبل، فالأولى بنا ألا نتطلّع أبدا إلى مصدر سرورنا ولذتنا، وكل من يفعل ذلك يكون معرضا لأن لا تتحقق له هذه الرغبة، ويصبح بالتالي محبطا في مسيرة حياته. ذلك أن كل ما نطمح إليه في المستقبل معرض للتهديد الدائم من التغير والموت. ولعل أبيقور يحسم المسألة باعتبار الذوات كيانات تؤلفها الذرات، وعندما تتشتت هذه الذرات يحدث الموت. بمعنى أن الجسد الحي ليس موجها من قبل قوة خارجية، بل طبيعة في المادة ذاتها. ولذلك عاش مرددا شعاره المبدئي "اترك الموت يمتلك المستقبل وعش أنت الحاضر". وإذا كان طرح أبيقور لمسألة الموت طرحا يزاوج بين النبرة الوجودية والتخريج العلمي، فإن الفكر الوجودي المعاصر عمل هو الآخر على الابتعاد من المسلمات الدينية والهروب من الميتافيزيقا إلى التبرير الكلامي والتفسير العلمي في محاولة نفي المــوت عن علاقة الإنســان بذاتــه، لأن هذا المــوت ما هــو إلا "حدث واقعي ماثل في صميم الحياة منذ البداية، وكأنما هو واقعة مستمرة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفســه". وأي فصل بين التجربتين المندمجتين الحياة/ الموت، يلقي بصاحبه إلى الشعور بالخوف الرهيب من مأزق الانتقال من مرحلة الحيوية والامتلاء إلى مرحلة الفناء والمجهول. وعلى هذا الأساس يسارع فريديريك نيتشهNietzsche إلى تقديم تأويل فلسفي ينجح في تشخيص هذا الفصل المؤلم بين التجربتين حيث يقول: إذا كنا نعيش متجهين إلى الأمام، فإننا نفكر دائما متجهين إلى الوراء. هذا يعني أننا لا نوازي زمنيا بين العيــش والتفكير، وبين الذاكرة، هذه الخزانة الكبيرة التي تحتفظ بكل الذكريات التي هي سبب تعاستنا، لذلك يبادر نيتشه إلى علاج هذا المأزق الوجودي بنظرية العود الأبدي حيث يقول: كل شيء يمضي، كل شيء يعود، وتدور إلى الأبد عجلة الوجود، كل شيء يموت، كل شيء يتفتح من جديد، وخالدا يمضي زمن الوجود، الأشياء كلها تعود في خلود، ونحن أنفسنا كنا بالفعل مرات لا حصر لها ومعنا الأشياء. لكن ما يلاحظ على نظرية العود الأبدي هو طرح نسق يؤمن بالشمولية والخلود، ولكنه يلغي القيمة الوجودية للشخص في حد ذاته، ويسلبه خصوصيته الفكرية والوجدانية، مما يجعل هذا الطرح مناقضا تماما لما كفلته الأديان السماوية للإنسان من حق الوجود الذاتي، واختيار المصير الذاتي الذي لن ينتهي بفناء الجسد.
إن الموت لا يكتسب فداحة الشعور برهبته إلا في سياق العلاقة
1- الموت والأسطورة:
تزود الأسطورة الإنسان بذاكرة تاريخية تعطيه إحساسا بوجود مبرر لحياته. وبدون هذه الذاكرة يصير الإنسان إلى حالة أشبه بالموت، لأن نسيان الماضي هو نوع من أنواع لموت. فالموت نسيان، والموتى الهابـــطون إلى العالم الأسفل، في الميثولوجيا الإغريقية، يشربون في طريقهم من نبع الـنـسيان لكي يقضوا حياة الآخرة بدون ذاكرة، أي بدون تاريخ. لذلك فإن الإنـسان الذي وجد نفسه في مواجهة الموت ابـتكر نسقا أسطوريا ااعتمادا على ملكاته الوجدانية والعـقلية واللاشعورية، من أجل مواجـهة كل الاحتمالات، فكان أن عالج مجهولية المصير الذي ينتظره بطرح معلوم يمكن من بسط الحقيقة الكونية على نســيج رمزي قادر على الإقناع. وهكذا دأب على التبشير بالخلود المطلق بالرغم من حتمية تعرض الجسد للتحلل ومن ثم إلى الفناء؛ ولهذا وجد نـفسه مدفوعا لإبداع أساطير لها شكل السرد القصـصي، وتصـاغ في غالب الأحيان في قالب شعري. كما أن لها خصيصة الثبات وطاقة الإيحاء المستمرة، لكنها معرضة للإلغاء أو التعديل كلما كانت هناك حاجة إلى خلق أساطير جديدة، أبطالـها هم الآلـهة، ومعنى ذلك أن وجود الإنسان فيها يكون لغرض تكـميلي فقـــط، كما أن زمـنها زمن مقدس، هو غير الزمن الحالي. وتتــميز موضوعـاتها بالجدية والشمول".
لقد أكد المفهوم الـميثولوجي فكرة إبطال الثنائية القائمة بين الموت والحياة على أساس أن الموت لا يناقض الحياة، بل هو وجهها الآخر. فالطبيعة تجدد نفسها عن طريق الموت والانبعاث للوصول إلى حياة طرية جديدة. معنى أن موت وانـبعاث "الإله دوموزي" هو في حقيقته مثال أعلى لتجدد الحياة وطراوتها. وما يدعم هذا الطرح هو قابلية انـتقال الحمولة الأسطورية بكل شحنتها الرمزية من زمن الآلهة إلى زمن الـبشر ملوكا وكهـنة. ذلك أن طقوس السومرييـن في الاحتفال بـالإله تموز "كانت نوعا من تجديد للحدث الأسطوري الذي تم في الأزمان الميثولوجية، باستحضاره في الزمن الجاري". من هنا فإن الطقس الدوري الربيعي لا يتخذ طابع الاحتفال بذكرى ميثولوجية، بل إنه يكررها، ويغدو المحتفلون موجودين في زمن الأسطورة يعايشون الكائنات العليا، ويشهدون تكرار عمليات الخلق، حيث يقوم الإلهان من خلال وكيليهما الدّنيويـين بتجديد الحياة، حياة الطـبيعة والإنسان والحيوان.
وهكذا فإن المفهوم الأسطوري للموت، عند السومريين والإغريقيين وغيرهم من الشعوب المحتمية بأساطيرها، كان يراهن على تجدد الحياة، لا سيما إذا كان هذا الموت متعددا يتكرر كل سنة، ويكون الميت إلها مــضحيا بدمه لكي ينعم وجه الأرض بالحياة. فقد "كان عبّاد أدونيس يعتقدون أن إلههم يـموت كل سنة جريحا في الجبال، فيتضمخ وجه الطبيعة كل سنة بدمه المقدس. ولذلك كانت فتيات سوريا في كل سنة يبكين لــــموته وهو في شبابه، بينما تزدهر الشقائق ــ وهي زهرته ــ بين أرز لبنان، ويجري الـنهر محمرا إلى البحر، فيحيط سواحل البحر المتوسط المتعرجة بخيوط قرمزية كلما هبت الريح نحو الساحل" .
ومع ذلك تبقى فلسفته هدامة وسالبة الى اقصى حد.فمساهمته في حقل العلوم كانت في حصره في حدود ضيقة ارتبطت بعالم الظواهر.وفي الجانب الديني حاول نقده تقويض دعائم الدين والمتافيزيقا.رغم انه سيعيد الاعتبار للدين في كتابه نقد العقل العملي.الا ان هذا الاعتبار كان مرتبطا برؤية مغايرة للدين تعتبره من لواحق الحياة,وانه لا مجال لوجود دليل يثبت حقائقه.وانما هو امر يحتمه علينا كوننا فاعلين اخلاقيين.هذا النقد الاخلاقي المتواضع هو الذي سيضع هوة سحيقة بين الفكر والوجود في نظرية المعرفة عند كانط الذي سيصبح خلاله من المستخيل النفاذ الى الحقيقة.وانه لا مجال للارادة في خوض غمار هذه المغامرة.على هذا الاساس سيحاول هيجل ان يقدم محاولة متكاملة للبحث في جميع الاشكالات الفلسفية ومنها العقل ذاته.يقول هيجل"فالعقل يترك الاهواء تتصرف مكانه.والوسيلة الوحيدة التي يتوصل بواسطتها العقل الى ان يوجد تمر عبر محن والام.اذ ان تلك الظاهرة يكون جزء منها سلبيا والجزء الاخر ايجابيا.وعلى وجه العموم فان الخاص المفرد صغير جدا امام الكوني.فالفكرة تؤدي ثمن الوجود والهشاشة لا بذاتها.بل باهواء الفرد ومن خلال منهجية تاريخية.فقد نظر هيجل الى كل شيء من منظور تاريخي تطوري-ما عدا فلسفته-وبالتالي استطاع ان يتفادى اخطاء ماديي القرن الثامن عشر الذين ابانوا عن ضعف في تناول تعاليم الفكر والطبيعة والتاريخ والانسان من زاوية تطورية.ولابراز مضمون النظرية التطورية لدى هيجل لا بد من الاشارة الى عمقهاالثوري الحقيقي الا وهو الجدل الذي يعرفه صاحبه"هو مبدا كل حركة وكل حياة.وكل ما يتم فعله في عالم الواقع.بل انه ايضا روح كل معرفة تكون حقا علمية.وهذه النظرة الجدلية للاشياء ليست مرتبطة بالفلاسفة والمفكرين فقط.بل موجودة في مستويات الوعي الاخرى.فكل ما يحيط بنا يبرز الطابع الجدلي.فكل الاشياء المتناهية في جوهرها متغيرة ومتحولة وزائلة وهذا ما يسميه هيجل جدل المتناهي.والجدل عند هيجل لا يقتصر على ظواهر الطبيعة فقط.بل يشمل الجانب الروخي والاخلاقي والقانوني والسياسي.فالجدل يكمن في طبيعة الاشياء كلها.وهذه الاشياء ليست في حالة تناغم وانسجام تامين وبشكل مطلق,بل هي متبدلة وزائلةفكل الظواهر متناقضة بمعنى انها تحمل في داخلها عناصر تؤدي الى ضدها يرتبط مفهوم التناقض عند هيجل بمفهوم السلب الذس يمثل المقولة الاساسية فس المنهج الجدلي.والقوة البارزة في فضح وكشف الواقع بما فيه من قوة وضعف.ان السلب هو الصفة التي تكون عمق جميع اشكال الوجود في حركة تطورها.اما الظواهر التي تبدو للذهن العادي بوصفها مظهرا ايجابيا للحقيقة.فهي في واقع الامر سلب لها.بحيث يستحيل اقرار الحقيقة الا بهدمها كما اكد على ذلك هربرت ماركيوز في كتابه العقل والثورة.وهو بالنسبة لهيجل ليس عدما وانما قوة خلاقة في الفكر والوجود معا.فكل شيء جزئي يواجهه التناقض لا يختزل الى صفر اي الى عدم.بل يتحول من ناخية جوهرية الى نفي محتواه الجزئي.يقول هيجل في هذا المقام" اما الجدل فهو يعني الميل المستمر الذي نتجاوز بواسطته التحديد واحادية الجانب لصفات الفهم بحيث توضع في وضعها الصحيح.اي يتضح ما فيها من سلب لان الشيء المتناهي يطمس معالم نفسه ويضع نفسه جانبا.هذا الفهم ينم عن اعتبار ايجابي لمفهوم السلب سيحاول من خلاله ماركيوز ان يربط بين السلب والجدل عند هيجل.حيث ان السلب الذي يطبقه الجدل ليس نقدا للمنطق التقليدي الذي يرفض الاعتراف بحقيقة المتناقضات.بل هو نقد ايضا للاوضاع القائمة على نفس الارض التي تقف عليها.وهو في اخر المطاف نقد لوضع الحياة المستتب في هدا السياق نتساءل الى اي حد كان فكر هيجل الجدلي مرتبطا بمنهجه السلبي وحترما اياه?وماهي النتائج التي يمكن ان تترتب على تطبيق هذا المنهج الذي يعتبر السلب قوة نفي في الفكر والوجودمعا?ان فريديريك انجلز اقر وفي الكثير من المناسبات على ان فلسفة هيجل"" لا تعد اي شيء نهائيا مطلقا.مقدسا.انها تكشف الغطاء على الصفة المؤقتة لكل شيء ولا تستطيع الثبات والصمود امامها الا عملية متصلة من الصيرؤرة والزوال اي عملية الارتقاء الدائم من الاخفض الى الارفع.وما الفلسفة الديالكتيكية ذاتها الا مجرد انعكاس لهذه العملية في المخ المفكر ويمكن ان اختم هذه المحاولة المتواضعة بالسؤال التالي هل احترم هيجل منهجه الجدلي.ساحاول الاجابة عن هذا السؤال وذلك بعرض الموقف النقدي سواء في مرحلة الشباب او المرحلة اللاهوتية وفي مرحلة النضج اي في الاشواط النهائية لصياغة المذهب الجدلي.وذلك سيكون في الجزء الثاني من المقالة
عندما كان نيتشه يتحدث عن التراجيديا اليونانية، فإنه لم يكن يتحدث عنها بلغة أرسطية واصفة ولا بلغة تاريخية بارطية (نسبة إلى بارط R.Barthes) بل كان يتحدث عنها، بلغة فنان عاشق حتى الموت.
لقد كان نيتشه يداعب التراجيديا اليونانية، كما يداعب امرأة حسناء وبدلال طفولي. كان يغازل ماهيتها بعشق وشغف، ويلامس "جسدها" في انتشار صوفي… لكن، فجأة ما يكشر نيتشه كنسر جارح فيهاجم "طريدته" /الروح العلمية ويحاصرها من كل الجوانب فيهوي بمطرقته على العقل والحكمة ويعبث بالتفاؤل ويحاصره، فيتعالى على المألوف والاستكانة.
إن التراجيديا عند نيتشه، بؤرة الحياة الأبدية وانفتاح لا نهائي نحو الآفاق المجهولة. إن التراجيديا مقاومة للموت، وممارسة للذة في الألم. التراجيديا معانقة للمتعالي.
فعندما نقرأ نيتشه في كتابه "ميلاد التراجيديا" نكون أمام ازدواجية في اللغة مقرونة بازدواجية في الرؤية نفسها. بمعنى أن نيتشه عندما يتحدث عن التراجيديا اليونانية وعن العصر الهلييني، نلمس في لغته همسا شاعريا ونبرة شفافة، فتسري رعشات الانتعاش واللذة في جسد اللغة، ولكن مقابل ذلك حينما ينبري نحو سقراط وأفلاطون أو أوريبيد… نحس بالكلمة تتجهم، وبالعبارة تقسو.
والحق أننا لا نريد الخوض في هذا المجال -أي مجال لغة نيتشه- لأننا لسنا مؤهلين لذلك البتة، بالرغم من أننا سجلنا هذا الانطباع. فكل ما نهدف إليه -واستلهاما لهذا الانطباع- هو محاولة لجمع أشلاء ومكونات التراجيديا عند نيتشه، من خلال كتابه "ميلاد التراجيديا". وهذه الغاية لن تتأتى لنا إلا بهدي من ازدواجية رؤية نيتشه نفسه للتراجيديا عبر ما أسماه: الروح العلمية والروح الديونيزوسية.
وفي إطار هذه الثنائية الكبرى وما تتضمنه من ثنائيات فرعية سنعمل على تشييد وتكوين "مفهوم التراجيديا عند نيتشه".
1 - التراجيديا والروح العلمية:
أ - التراجيديا بين الاحتضار والموت:
يقول نيتشه معرفا الروح العلمية ما يلي:" أفهم أن الروح العلمية اعتقاد ظهر أيام سقراط، وأنه معرفة الطبيعة وحقائقها. كما أن المعرفة تملك في ذاتها فضيلة الخلاص الكوني"(1).
من خلال هذا الكلام يمكن أن نستخلص بعض مقومات الروح العلمية، والمتمثلة في: المعرفة، الحقيقة، الفضيلة، ثم سقراط ذاته. ويعتبر هذا الأخير في نظر نيتشه الممثل الفعلي لهذه الروح العلمية وذلك نظرا لمطابقتها لمبادئ سقراط الثلاثة التالية:
"الفضيلة معرفة، لا نذنب إلا عن جهل، الإنسان الفاضل سعيد(2)".
والمعروف في تاريخ الفلسفة أن سقراط كرس حياته من أجل المعرفة والحقيقة بغض النظر عن التقاليد، والأعراف والدين… فكان همه، وقضيته الأولى، هو البحث عن الحقيقة. ولتحقيق هذا الغرض/الحقيقة، راهن سقراط على العقل، والجدل، وعلة الوعي والمنطق… ليصبح أكبر عدو للإنسان هو ما يجهله. وعليه، فالمعرفة عند سقراط فضيلة، إذا تجنب الإنسان الوقوع في الخطأ/الذنب/الخطيئة، فإنه يضمن السعادة.
معنى هذا أن الأطروحة السقراطية، تؤمن بأن جميع أسرار الكون يمكن معرفتها والتأكد من صحتها على أساس، أن كل شيء فيه قائم على مبدأ السببية، "والحقائق الأبدية(3)".
ويمكن إرجاع الأطروحة السقراطية إلى الحكيم أنكساكوراس Anaxagore في قولته الشهيرة"في البداية كل شيء كان فوضويا، إلى أن جاء العقل، وخلق النظام(4)" وعلى غرار هذه القولة يصرح سقراط قائلا: "أي عمل ليس جميلا، إلا إذا خضع للعقل(5)".
وهكذا فالنظرة الجمالية عند سقراط تقوم بدورها على العقل / النظام، وهنا يلتقي سقراط بأبولون Apollon إله العقل والنظام.
إن سقراط يشبه إلى حد كبير "فاوست Faust"، في مسرحية غوته Goethe الذي كان همه الوحيد، هو أن يعرف/المعرفة، حتى بواسطة السحر، وعبر الشيطان مفستوفيليس نفسه. وبطبيعة الحال، فعلى قدر المعرفة، يأتي التفاؤل وتتحقق الفضيلة والسعادة.
من هذا المنطلق يعتبر نيتشه سقراط، الزعيم والمؤسس الفعلي للروح العلمية، وبالتالي فلا غرابة أن يتشكك سقراط في قيمة الفن والتراجيديا(6) بالدرجة الأولى، لأنها لا تقوم على مقياس العقل والمنطق والجدل والشروط السببية…
وقد تسربت هذه الرؤية إلى تلميذه أفلاطون Platon خصوصا في كتابه "الجمهورية"، إذ كان ينظر إلى الفن والشعر خصوصا نظرة ساخرة لا لشيء إلا لكونه "غير نافع ويتوقف عند محاكاة الصورة الظاهرة(7)". بهذا طرد الشعراء من جمهوريته بل والأكثر دلالة من ذلك، هو أنه أحرق كل ما أنتجه من الشعر الدرامي، إرضاء لأستاذه سقراط.
والحق أن التأثير السقراطي لم يقف عند حد أفلاطون بل تعداه إلى أحد شعراء التراجيديا الكبار ونعني به الشاعر أوريبيد Euripide. هذا الأخير الذي تبنى طروحات سقراط وتشبع بها، فكل شيء عند أوريبيد "ينبغي أن يكون واعيا ليكون جميلا(8)". وهذا دليل قاطع على أن أوريبيد يتبنى الجمالية السقراطية ويتبع في هذا "آثار الشيطان السقراطي(9)" -على حد تعبير نيتشه- لأن الجمالية عنده تقوم على الوعي، والعقل، والنظام… وعلى الواقع اليومي أيضا الذي أصبح ظاهرا في الكتابة التراجيديا عند أوريبيد. بذلك يكون هذا الأخير، وفي شعره التراجيدي - قد "أصعد المتفرج إلى الخشبة، ليجعله قاضيا على الدراما(10)"، فأصبح المتفرج بذلك، يغادر مدرجاته نحو الخشبة. ومن ثمة فإذا كان سقراط قد أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، فإن أوريبيد أنزل التراجيديا من السماء إلى الأرض، وغدت التراجيديا تهتم بالإنسان العادي عند أوريبيد يكتب عن همومه اليومية، ومشاكله الاجتماعية والسياسية…
ولا غرو، والحال هذا، إذا علمنا أن سقراط يعبر ويكتب بواسطة أوريبيد، خاصة وقد بات معروفا في أثينا أن سقراط بالفعل كان يساعد أوريبيد على الكتابة بل لقد عرفا هما الاثنين "بمرتشي الجمهور(11)"، خصوصا أوريبيد الذي نزل بمسرحياته إلى الجمهور وخلصها من تلك المهابة والجلال الذي كانت تتمتع بهما مع اسخيلوس وسوفوكليس وغيرهما.
وفي هذا الصدد يقول ينتشه: "في الحقيقة ليس هناك أي فنان يوناني يتعامل مع جمهوره لمدة، بوقاحة كبيرة وادعاء إلا أوريبيد(12)".
فإذا تم الطلاق بين العمل المسرحي ونزوله إلى الجمهور عند كل من اسخيلوس وسوفوكليس فإن أوريبيد قد جعل من متفرجيه حكاما وأساتذة يصدرون أحكاما على أعمالهم الفنية. لهذا السبب لم يجد بدا من البحث عما يرضيهم ويحقق رغباتهم على الخشبة. فمع أوريبيد، يقول نيتشه قد أصبح "المتفرج: الإنسان في واقع حياته اليومية متطفلا على الخشبة(13)".
هذه هي الروح العلمية، وتلك تجلياتها مع أهم أعلامها كما تناولهم نيتشه. لكن نود أن تتساءل في الصفحات التالية، حول موقف نيتشه من هذه الروح العلمية؟ وكيف تشكل -أي الروح العلمية- سهما قاتلا في جسد التراجيديا كما يراها نيتشه نفسه؟ تلك هي الأسئلة التي سوف تكون موضوع الخطوات الموالية.
ب - الروح العلمية بين المطرقة والسندان:
إذا كانت الروح العلمية تقوم على تمجيد العقل، والجدل، والمنطق… وعلى التفاؤل بنتائج العلم والوصول إلى الحقيقة وبالتالي بلوغ الفضيلة والسعادة، فإنها قد حكمت بالإعدام التام على التراجيديا اليونانية خاصة والحياة عموما.
إن الإنسان السقراطي / الروح العلمية، متفائل بالعلم والعقل والجدل والوعي… لأنه مقتنع تماما بإمكانية "النفوذ إلى أصل الكائن ليس فقط لمعرفته، ولكن لتصحيحه أيضا(14).
وفي هذا الكلام ازدراء للفن والشعر، بل ونفي للغريزة Instinct المرتبطة بالجسد عند نيتشه. والغريزة / الجسد قوة فاعلة متعالية عن العقل والحكمة وعن الجدل والمنطق… إنها مصدر النشوة والفرح واللذة، إنها القوة الجارفة نحو المستقبل المجهول. وبعبارة أوجز، إنها الحياة في نظر نيتشه. إلا أن نظرة سقراط لها نظرة مقلوبة على اعتبار أنه "يقابل الفكرة بالحياة ويحاكم الحياة بالفكرة(15)" أو كما يقول نيتشه نفسه "إن سقراط ينتسب حقا إلى عالم خاطئ مقلوب في الطبائع الإنتاجية، إنه اللاوعي الذي يتصرف بشكل إبداعي وتقديري في حين أن الوعي نقدي وردعي عنده -أي سقراط- فتصبح الغريزة نقدا والوعي إبداعا(16)".
من هذا المنظور، يكون سقراط والروح العلمية ككل نفيا للحياة لأنها - في نظر نيتشه خدعة ونذالة، لأنها تحجب فعل الغريزة، ورحابة الحياة. وهذه الأخيرة أكبر من العلم ومن المنطق، ومن الجدل ومن الكلام النظري وأكبر أيضا من الوعي والعقل… وما الروح العلمية عامة "إلا تخوف من التشاؤم وطريقة للهروب(17)"، لأن العلم مهما وصل والمعرفة مهما بلغت إلا ولها حدود. من هنا، يفسح نيتشه المجال للغريزة والفن وللمسرح والموسيقى وللحياة عموما. وليس غريبا، والأمر هذا ينعت نيتشه، الحكيم سقراط "بالشيطان الجديد" "لأنه لا يفهم التراجيديا ويحتقرها، ولا يحتفل بالموسيقى ويتهرب من ديونيزوس وهذيانه. إن الفكرة التي يؤسسها ضد التراجيديا تقع في نقيض ديونيزس(18)".
تلك هي الأطروحة السقراطية، ومظاهر الروح العلمية، كما أبرزها نيتشه في كتابه "ميلاد التراجيديا" لكن ما هي العلاقة بين الروح العلمية والتراجيديا وبين الروح العلمية والروح الديونيزوسية ثم أساسا بين الروح الديونيزوسية والتراجيديا؟
ذلك ما سنراه في الفقرات الموالية:
2 - التراجيديا، والروح الديونيزوسية:
أ - التراجيديا النشأة والاحتفال:
إن الحديث عن الروح الديونيزوسية، هو حديث عن ديونيزوس نفسه. وديونيزوس هذا -كما جاء في الأساطير اليونانية- شخصية أسطورية، ولد من رماد أمه سيميلي وبعدما طلبت من زوجها زوس Zeus، إله الآلهة أن يظهر لها في كمال مجده، وهو طلب مفخوخ دبرته الآلهة هيرا. ولما حاول زوس ذلك، تحول إلى صاعقة، أحرقت سيميلى، ومن رمادها ولد ديونيزوس. بهذه الطريقة المأسوية ولد ديونيزوس، وتكفلت أرواح الغابات وربات الفنون بتربيته وتنشئته، إلى جانب كائن اسمه سيلين Siléne.
وترعرع ديونيزوس، وراح هو وسيلين يعلمان الناس زراعة الكروم، وصناعة الخمور وممارسة النشوة، وتصيد اللذة، بل ويفرضان في كل مكان مرا به أن يحتفل بديونيزوس اعترافا بجميله، وقد كان هذا الاحتفال -في بداية الأمر- خليطا من الرقص، والغناء/الديثرامبوس، كان يؤديه كورص Choeur على شكل دائري في الوقت الذي يربط فيه حيوان "ثور أوتيس" يرمز لديونيزوس، ويكون ذلك في مكان مقدس يسمى تيميلي Thymélé وهي "حفرة مخصصة لجمع دم الضحايا، على كل حال، مكان مقدس(19)" وبإشارة من رئيس الكورص يبدأ الاحتفال فيبدأ الغناء والرقص ثم النواح والعويل… حتى يبلغ المحتفلون إلى حالة تسمى "ألمانيا(20)" La Mania، أي جنون يقدفه الإله في صدر الإنسان وآنذاك ينقضون على الحيوان، فيمزقونه إلى أن يصلوا إلى مرحلة الكشف والتنبؤ. إلا أن هذا الشكل الاحتفالي قد عرف تطورا كبيرا خاصة على مستوى الشكل الفني.
ونستخلص من هذا الجرد المركز أن ديونيزوس هو "أصل التراجيديا والنقطة المحورية للفن اليوناني. قصة إبداع الحضارة الهلينية(21)". فديونيزوس هو محور الاحتفال، وبطله. وكل طقوس الاحتفال تتمحور حوله.
لقد عرف الإنسان اليوناني بجديته وبنشاطه في عمله اليومي فكان "لا يعرف الراحة الأسبوعية -وهي مفهوم يهودي- ولا يرتاح إلا بمناسبة الأعياد الدينية(22)". وبالضبط في أشهر سبتمبر ويناير ومارس. وفي هذه المناسبات يستعد الإنسان اليوناني للاحتفال فيقوم رئيس الكورص بتحضير جميع لوازم هذا الاحتفال: القاعة المشروبات… والغرض الرئيسي من هذا الاحتفال هو انتشال "الإنسان اليوناني من الحياة اليومية الأكثر ألفة والأكثر تسلية ومن حياة السوق والشارع، والمحكمة، للدخول في احتفال الفعل المسرحي، كل شيء فيه يستعد للراحة، ويستدعي التأمل(23)".
لكن ما هي العناصر المحققة لهذا الغرض؟ وكيف تتكامل هذه العناصر وتتفاعل في تحقيق وبلوغ تلك الحياة المعنوية التي ينشدها نيتشه؟
ب - التراجيديا: الكورص والبطل التراجيدي:
يعتبر الكورص الوسيط بين الخشبة والجمهور، لكن دون أن تكون له -أي الكورص- علاقة عضوية بالخشبة(24). فالكورص هو الذي يتكلم بلسان الآلهة عبر تشكيل دائرة حول المكان المقدس Thymélé ومع تطور التراجيديا أصبح الكورص، لازمة موحدة Stasina ويردد النصف الآخر لأزمة أخرى لتشكل حلقة خروج الكورص Exodos. بهذا تتضح أهمية الكورص والدور الرئيسي الذي يؤديه داخل التراجيديا، وعلى هذا الأساس: فإنه -أي الكورص- بمثابة "الممثل الرئيسي(25)" في نظر بارط Barthes، على اعتبار أنه "جدار عريض مروض ضد هجومات الواقع(26)". بمعنى أنه جدار قائم على إبعاد وإقصاء معطيات العالم الخارجي الواقعي وما تحتويه من هموم، ومشاكل اجتماعية، وذلك قصد ولوج آفاق السماء الرحبة، ومعانقة المجهول، والتعالي على كل ما هو يومي مبتذل(27).
من هنا تأتي أهمية الكورص في التراجيديا اليونانية علما بأنها خرجت -أي التراجيديا من صلب الكورص "ولا شيء سوى الكورص(28)".
وإذا كان سوفوكلس أول من قلص من دور الكورص وبطولته في التراجيديا اليونانية واقتصر على البطل التراجيدي فإن أوربيد -بالدرجة الأولى- قد قتل الكورص وأعدم وظيفته الاحتفالية واقتصر فقط على البطل مقياسا لكل شيء: البطل الإنسان الذي انتقاه من الجمهور وأنطقه بما يريد ويرغب. بهذا "غاب طابع الاحتفال ولم يعد للكورص من وظيفته إلا تأمل الحدث الدرامي، وعلى هامشه(29)". ولم يعد البطل التراجيدي ذلك البطل الأسطوري الذي يصارع ويقاوم ويتعذب ويتحدى، بل والذي يذهب نحو حتفه / الموت بطواعية، ورضى. وعليه فقد كان البطل التراجيدي الحقيقي بطلا لا يساوم ولا يقبل الحلول الوسطى فهو يصارع في كبرياء وفخوة(30).
والملاحظ أن صيغة هذا الصراع صيغة عمودية وليست أفقية، كما عند أوريبيد، صراع مع الآلهة والقدر. صراع من أجل مقاومة القدر والموت نفسه، صراع من أجل تحقيق ما يسميه مارسيا إلياد M.Eliade "ما فوق الإنسان(31)" Sur-humain أو ما يعبر عنه نيتشه بالإنسان المتفوق Sur-homme "الإنسان الذي لا يعوقه عائق ولا يحد إرادته حد. إنسان القمم الشامخة والمرتفعات العالية(32)". وقصد تحقيق هذا التعالي والتفوق… لا بد من عنصرين حاسمين داخل التراجيديا وهما الموسيقى والأسطورة.
ج - التراجيديا: الموسيقى والأسطورة:
تعتبر الموسيقى في نظر نيتشه عاملا حاسما في الاحتفال التراجيدي. وليس غريبا أن يهدي كتابه "ميلاد التراجيديا" إلى الموسيقار العالمي الكبير فاغنر Wagner. والسبب في ذلك هو أن الموسيقى في نظر نيتشه "تعبر عن روح الأشياء ولبها الخاص(33)" وذلك هو رأي شوبنهاور أيضا Schopenhauer. ويميز نيتشه بين نوعين من الموسيقى: موسيقى مقلدة M.Imitative وموسيقى حقيقية. فالأولى تفقر الظاهرة لأنها تعتمد على التذكر فقط. أما الثانية فتغني الظاهرة، وتتحول إلى رمز كوني على اعتبار أنها موسيقى مبتكرة "توخز كالإبرة في أعصاب متعبة(34)". وذلك لأنها تنفذ إلى الماهيات والأشياء في ذاتها. فبالموسيقى، وفي الموسيقى يعود ديونيزوس، بعد اختفاء طويل، ليعبر عن الإرادة الكونية. وذلك أمر لا يتأتى إلا بالموسيقى لكونها "تعطي للأسطورة معنى ميتافيزيقا أكثر نفاذا، وأكثر إقناعا. إذ لا يمكن للكلمة ولا للمشهد أن يحققا هدفها إلا بمساعدتها(35)".
فبفضل الموسيقى والأسطورة أيضا تتخلص التراجيديا من الواقع والعالم الخارجي ككل. بالموسيقى يتحرر الجسد، وبالأسطورة نعانق الزمن الأول، علما أن الأسطورة عادة تحكي كما يقول إلياد Eliade "قصة مقدسة أي حدثا أصليا، يبدأ مع الزمن. فالشخصيات الأسطورية ليست أناسا بل آلهة أو أبطالا متحضرين، فالأسطورة إذن هي قصة فعل الآلهة والكائنات الإلهية في بداية الزمن(36)". ويتابع مارسيل إلياد في تحديد مفهوم الأسطورة ووظيفتها الوجودية قائلا: "أن تقول أسطورة معناه إعلان عما كان يحدث في الزمن الأصلي(37)". وبهذا المفهوم تكون الأسطورة بمثابة حفر في جيانولوجيا Généalogie تاريخ الإنسان وعمق ماضيه السحيق. فعبر الأسطورة نعانق هذا التاريخ الأصلي، ونحتضن الزمن الأول، الزمن المقدس، أو الزمن الأبدي وباستعادتنا له "ننسى كل شيء، ننسى أقسى الألم(38)". وأكبر الألم عند الإنسان وأقساه هو الموت، والتراجيديا في عمقها وجوهرها مقاومة للموت نفسه، والحلول في الزمن الأبدي: مع ذلك، يظل الموت حاضرا أو قائما وإذا كان لا بد منه، فعلى الأقل لنختر كيف نموت… أي أن نموت بكرامة وشرف. وطبعا هذا لا يتأتى في نظر نيتشه -إلا بالمواجهة البطولية. بعبارة أدق، إذا كان لا بد أن نموت فيجب أن نموت أحرارا منتصرين، أي أن نختار موتنا ونتوجه إليه بعزم وإصرار بتحد وبطولة. فالموت البطولي، أجل من الموت جبنا. على هذا الأساس تقوم التراجيديا عند نيتشه. فالأبطال التراجيديون يختارون موتهم ببطولة وشجاعة وإقدام. فهم يعرفون أنهم سيموتون إلا أنهم يختارون موتهم، ويذهبون إليه. فهذا بروميتوس يختار موته ويتوجه إليه عند اسخيلوس. وذلك أوديب، عند سوفوكليس، يختار مواجهة موته ببطولة وإقدام… فهم يعلمون أنهم سيندحرون في مواجهة الآلهة إلا أنهم مصرون على التحدي والمواجهة. بهذا إذن تتجسد الأسطورة "في البطل التراجيدي الذي يرتمي كالأعمى. ورأسه مقنع في تعاسته والفعل ميؤوس منه، ولكنه سام(39)".
لقد كان الإنسان اليوناني يحس بالضجر والرعب، وبالخوف في هذا الوجود، إلا أنه كان يرفض أن يتعامل معه -أي الوجود- كخطيئة أو ذنب، كما الحال مع المسيحية، ومع الروح العلمية اللذين عملا على احتضار التراجيديا وموتها. وبالنسبة للروح العلمية فقد سبق أن تحدثنا عنها، وبينا علاقتها بالتراجيديا، أما ما يتعلق بالمسيحية، فقد اتخذت موقفا سلبيا بدورها من التراجيديا، بل ومن الوجود عموما. فالمسيحية تنظر إلى الوجود/الحياة كخطيئة وذنب. ولهذا السبب، وجد الألم، ولزم التكفير والقربان -في نظر المسيحية-. فإذا كان ديونيزوس يشترك مع المسيحية في الألم، والاستشهاد والمعاناة، فإنهما يتعارضان تماما من حيث نظرتهما إلى الحياة والوجود، والنشوة والفرح… فالمسيحية، تضع الحياة في قفص الاتهام لأنها "غير عادلة، بل وظالمة في الأساس(40)"، من هنا يأتي التعارض التام بين ديونيزوس والمسيح وبالتالي بين العمل التراجيدي والمسيحية خاصة. والتراجيدي هو الفرح المضاعف، الفرح المتعدد. هذا الفرح ليس نتيجة تصعيد أو تعويض، أو خضوع أو تبريك -كما هو الأمر في المسيحية- "التراجيدي يدل على الشكل الجمالي للفرح، وليس وصفة طبية، ولا حلا أخلاقيا للألم والخوف والشفقة(41)"، بتعبير دولوز.
هكذا يتضح لنا أن أعداء التراجيديا، وقاتليها متعددون ومختلفون، والحق أن التناقض ليس عميقا بين أبولون وديونيزوس، ولكنه جذري وعميق بين سقراط وديونيزوس وبين المسيح وديونيزوس.
وخلاصة القول فالروح العلمية بتجلياتها المتعددة (العقل والوعي والمنطق…) والمسيحية بمواقفها من الوجود والحياة كلها في نظر نيتشه علامات أساسية على موت التراجيديا، والفعل التراجيدي بل وعلامات على (الانحطاط والتعب والمرض… الذي أصاب الحضارة اليونانية والحضارة الحديثة بعصورها المختلفة: النهضة، والأنوار، والوضعية في القرن19…(42)).
ولبعث الحياة والتراجيديا من رماد العصر، فلا بد من تقويض أسباب موتها -كما حددناها سابقا- والإيمان مع نيتشه، "بالحياة الديونيزوسية لأن زمن الإنسان السقراطي قد ولى(43)، وحل زمن الإنسان التراجيدي، زمن الإنسان المتفوق، الإنسان الذي نجد مواصفته ظاهرة عند زرادشت Zarathoustra فمن يكون زرادشت؟ وما هي مواصفاته وعلاقاتها بدينيزوس والتراجيديا كما يتصورها نيتشه؟
ذلك موضوع لكلام آخر!
الهوامش
1 - F.Nietzsche: La naissance de la tragédie. Traduction et représentation de: Cornelius Heim. Bibliothèque médiation. Edition: Denoel. Paris 1964, p. 112.
وقد اعتمدنا في هذه الدراسة أيضا على:
Coll: folio. Edt: Gallimard 1977.
وخاصة في الفصل: "نصوص مختلفة حول التراجيديا" الملحق بالكتاب.
2 - F.Nietzsche. Denoel, p. 93.
3 - Ibid, p. 111.
4 - Ibid, p. 85.
5 - Ibid, p. 83.
6 - Ibid, p. 91.
وفي هذا يقول نيتشه: "بالنسبة لسقراط، الفن التراجيدي لا يمثل الحقيقة، فضلا على أنه يتوجه إلى ناس قليلي العقل". انظر ص 91.
7 - Ibid, p. 91-92.
8 - Ibid, p. 85.
9 - F.Nietzsche. Gallimard, p. 234.
يقول نيتشه في هذا الصدد: "إن أثر سقراط قد استع على الخلف، كظل يتسع في الشمس الغائبة". انظر ص 96 من طبعة Denoel
10 - F.Nietzsche. Denoel,pp. 74-75-76.
11 - F.Nietzsche. Gallimard, p. 281.
12 - F.Nietzsche. Denoel, p. 76.
13 - F.Nietzsche. Gallimard, p. 276.
14 - F.Nietzsche. Denoel, p. 98.
15 - Gilles Deleuze: "Nietzsche et la philosophie" Edt. P.U.F. 1962, p. 15.
16 - F.Nietzsche.Gallimard, p. 282.
17 - F.Nietzsche, Denoel, p. 164.
18 - C.Heim. in Présentation Denoel, p. 8.
19 - R.Barthes: “L’Obvie et L'Obtus". Essais critiques III. Coll: Telquel. Edt. Seuil. 1982, pp. 65-69.
20 - Ibid., p. 70.
21 - F.Nietzsche. Denoel, pp. 68-164.
22 - Ibid., p. 75.
23 - F.Nietzsche. Gallimard, p. 265.
24 - F.Nietzsche, Denoel, p. 55.
ومعنى هذا، أن هناك علاقة ما. أما شليغل Schlegel، فنعرف الكورص، بأنه "الممثل المثالي". انظر نيتشه لطبعة Gallimard. ص 265.
25 - R.Barthes, Ibid, p. 66.
26 - F.Nietzsche. Denoel, pp. 49-54.
27 - وكلها مظاهر الجمالية السقراطية في تراجيديا أوربيد. انظر نيتشه، ص 285-286. Gallimard
28 - F.Nietzsche. Denoel, pp. 48-95 et Gallimard, p. 269 et Gilles Deleuze, p. 13-14.
29 - أنطوان معلوف: "المدخل إلى المأساة التراجيديا، أو الفلسفة المأساوية". دار المؤسسة الجامعية، ط.1. 1982، ص 102.
30 - Gilles. Deleuze, Ibid, p. 20.
31 - Mircea Eliade: "Le Sacré et le profone" Coll: Idées. Edt. Gallimard. 1965, p. 148.
32 - حسان بورقية: "نيتشه وقلق الكتابة". مجلة العرب والفكر العالمي، عدد 11، صنف 1990، ص 135.
33 - F.Nietzsche, Denoel, p. 106.
34 - Ibid, pp. 103-107-114.
35 - Ibid, p. 137.
36 - M.Eliade. Ibid, p. 82.
37 - Ibid, même page.
38 - F.Nietzsche. Denoel, p. 195.
39 - F.Nietzsche. Gallimard, p. 285.
40 - Gilles Deleuze, Ibid, p. 16.
يقول دولوز في هذا الصدد "الفن يقر الحياة، والحياة تتضح في الفن". انظر ص 38.
41 - Ibid, pp. 19-20.
42 - F.Nietzsche. Denoel, p. 169.
43 - Ibid, p. 134.
يا "إلهي، ما أروع هذا القرن الذي أراه ينفتح أمامنا،كم أتمنى فيه لو يعود إلي شبابي… !". إنـها صيحة إعجاب بالقرن الجديد أطلقها المفكر الإنساني الهولندي إرازم (Erasme, 1469-1536)، في مستهل القرن السادس عشر. وهي تعـبّر بوضوح عن مدى افتتان المفكرين في عصر النهضة بعصرهم وشعورهم بأنـهم يشاركون بالفعل في مغامرة مثيرة وفريدة من نوعها تقدم عليها البشرية بفضل ما تحقق من تقدم آنذاك على صعيد الفكر والفن والثقافة والمعارف. ترى هل يستقبل المفكرون والفلاسفة اليوم تباشير القـرن الجديـد الذي ينفتح أمامنا بنفس الحماس والإعجاب والتفاؤل ؟ ولا نظن أن حالة إرازم تشكل حالة استثنائية فقد وجد في جميع العصور مفكرون وفلاسفة آمنوا بأن حكمة جديدة ستنبثق في الفكر الفلسفي للمستقبل، وتنبأوا باحتمال حدوث "انطلاقة جديدة" للفكر وللفلسفة استنادا على ما حدسوه من خلال استقراء وتشخيص نقدي لحـال الفلسفة في عصورهم، ذلك الحال الذي غالبا ما يكون من ثوابته بداية ظهور علامات تصدع في المنظومات الفلسفية الكبرى المهيمنة. ويمكن أن نذكر في هـذا السياق مثلا الفيلسوف الألماني لودفيج فويرباخ (1804 ـ 1872) الذي كتب سنة 1843 "مبادئ فلسفة المستقبل"، ويتعلق الأمر بكتاب يضم خلاصة مصاغة على شكل مبادئ لأهم المآخذ والإنتقادات التي وجهت إلى المذهب الفلسفي المثالي عند هيجل، وكانت قد بدأت تظهر عليه أعراض التفكك. والفكرة الناظمة للكتاب هي أن الفلسفة الجديدة ستجدد المذهب المادي وتغنيه؛ وستجعل من الإنسان والطبيعة الموضوع الوحيد والكلي والأسمى للفلسفة؛ وإنـها ستنظر إلى الإنسان لا باعتباره كائنا عاقلا ومفكرا فحسب بل باعتباره أيضا كائنا طبيعيا وحسيا ؛ كما أنـها ستعلي من قيمة المحبة والمشاعر والعواطف الإنسانية وستكون نزعة إنسانية جديدة.[2] وفي السنة الأولى من القرن العشرين (1901) كتب الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون متنبئا:"إن المهمة الرئيسية لعلم النفس في هذا القرن الجديد الذي ينفتح أمامنا ستكون هي اكتشاف اللاشعور والعمل على سبر أغوار النفس بواسطة مناهج خاصة وملائمة، ولا أشك في أن هناك اكتشافات رائعة تنتظره، وقد لا تقل أهمية عن تلك التي تحققت في القرون الماضية في ميادين العلوم الفيزيائية والطبيعية". وبالفعل فمن جملة ما يتميز به قرننا الحالي الذي نودعه، وفي ميدان العلوم الإنسانية بصفة خاصة، أنه اعتبر القرن الذي هيمنت فيه نظرية التحليل النفسي أصولا وفروعا وتأويلات معاصرة، بحيث عم توظيف عناصرها وتطبيقها كما غزت مفاهيمها ميادين معرفية متعددة ومن بينها الفلسفة بالذات التي ازدهرت فيها خلال الستينات "القراءات" الجديدة للنصوص وللخطابات الفلسفية.[3] ماذا يمكن أن نقول بدورنا عن ملامح الفكر الفلسفي في مطالع القرن المقبل ونحن على وشك توديع القرن العشرين ؟ كمحاولة للإجابة عن هذا السؤال سنجازف في الصفحات التالية باقتراح مجموعة من الأفكار والعناصر في شكل ملاحظات وتساؤلات وافتراضات، لا ندعي فيها بأية حال من الأحوال أنـها صياغة لأجوبة نـهائية… بل نعتبرها بالأحرى استخلاصات مؤقتة تتلمس طريقها إلى الوضوح بقدر الإمكان. 1 ـ علاقة "أزمات" الفلسفة بالتحولات السريعة وبالتقدم العلمي والتكنولوجي نعتقد أن ما تمر به الفلسفة في بعض الفترات الخاصة من "أزمات" يكون في جل الأحيان تعبيرا عن عجز الفكر الفلسفي عن ملاحقة التطور السريع للواقع وعن فهم واستيعاب ما يستجد من اكتشافات في ميادين العلم. وتتأيد هذه الفكرة بما بات الجميع يعرفه : إن العقد الأخير من القـرن العشرين يشهد نـهاية حقبة هامة من تاريخ الإنسانية امتدت زهاء قرنين، كانت بحق حقبة الثورات والتحولات الكبرى سواء على مستوى التوجهات الجديدة التي عرفتها المجتمعات البشرية أو على مستوى صيرورة الفكر والمعارف والعلوم. وغدا من البين أن التحولات العالمية المتسارعة في السنوات الأخيرة، والوثيرة السريعة التي يخطو بـها التقدم العلمي والتكنولوجي في الفترة الراهنة، وسقوط النظرية الشيوعية وانهيار الدول التي كانت تؤمن بضرورة تطبيقها؛ إن كل هذه العوامل الحاسمة ستطرح على الفكر الإنساني ضرورة إعادة النظر في كثير من قيمه السياسية والأخلاقيـة والإبستمولوجية التي كانت سائدة حتى الآن. كيف لا وقد أضحت فكرة "اليقين" نفسها فكرة غير يقينية بعدما انهارت مجموعة من الحقائق والقيم العليا التي طالما قيل عنها أنها قيم ثابتة ودائمة وتصلح للإنسان من حيث هـو إنسان بغض النظر عن مكانه وزمانه ومواقفه ومشكلاته ؟ وقد ثبت أن الفلسفة التي لا تكثرت بمجرى التحولات الكبرى في عصرها والتي تتجاهل الحركة العلمية ولا تتفاعل معها مقضي عليها بالجمود التدريجي وبالتالي بالتلاشي. وتلك فكرة يمكن اعتبارها بمثابة مسلمة لا يفتـأ تاريخ الفلسفة يؤكدها، وعلى ضوئهـا سنتبنى التعريف التالي للفلسفة : "الفلسفة حكمة مؤسسة على المعرفة"؛ أي حكمة تستلهم من علوم ومعارف عصرها وتستند إليها.[4] بإمكاننا أن نقدم مجموعة من العناصر لتعزيز هذا التعريف: فمن ناحية أولى يزكيه أن كثيرا من عظماء الفلاسفة كانوا في نفس الوقت علماء مرموقين في عصرهم. ومن ناحية أخرى ليس بالـخافي أن الأمر يختلف اليوم تماما بالنسبة للفلاسفة المعاصرين إذ أن جلهم ليسوا علماء بالمرة، بل ولم تعد تربطهم بالعلوم في غالب الأحيان إلا صلات ضعيفة وذات طبيعة تأملية ونقدية وتنحصر في تقييم ما يمكن أن يترتب عن تطورها من نتائج على الفكر وعلى القيم السائدة بصفة عامة ؛ إنـها صلات تحدد في محاولـة استخلاص "حكمة" ما يمكن أن تتبلور في مواقف عملية وفي ردود فعل معينة. ومن الواضح أن اضطراب الفلاسفة إلى استخلاص "حكمة" معينة من علوم ومعارف العصر، له كذلك علاقة بالمضمون الذي يشير إليـه التعريف السابق. وفضلا عن التبريرين السابقين فتاريخ الفلسفة لا يفتأ يكشف لنا أن الفلسفات الكبرى كانت في عصورها في علاقة وثيقة ودائمة وفي حـوار مستمر مع علم من العلوم، بل أحيانا لم تكن سوى ردود فعل أمـام ما استجد من مكتشفات وثورات في الميدان العلمي والتقنولوجـي؛ أي أمام ما اضطرها إلى مراجعة إشكالياتـها وإعادة سبك وصياغة مفاهيمها. ولقد أسفر هذا الحوار بين العلم والفلسفة، الذي لم تكن الفلسفة في أغلب الأحيان حرة في اختياره بل كان يفرض عليها فرضا، متوالية من "الحكم" أو الرؤى العقلانية للعالم متباينة ومتميزة عن بعضها البعض، كانت كل واحدة منها تستجيب وتعكس نسبيا حالة المعارف في عصر معين، وتعتبر بالتالي ضربا من التقدم الفكري. لقد قيس التقدم غالبا بمدى قدرة وفعالية العلم والفكر والنظريات على حل المشاكل في فترة تاريخية معينة. ونعتقد أنه من هذا المنظور يصح الكلام عن رؤية فلسفية جديدة للعالم باتت تنبئ بـها الحالة الراهنة للعلم وللتقنولوجيا وللمعارف الإنسانية عموما. سنفكر في هذا التعريف الذي نقترحه للفلسفة على ضوء المعطى التالي: إن السمة البارزة لحالة العلوم والمعارف والتقنيات في عصرنا هي التطور السريع والمدهش سواء على مستوى تنوعها أو مضامينها أو على مستوى وسائل تخزينها وتصريفها ومعالجتها ؛ وأنه قد نجم عن ذلك التطـور تعاظم في إمكانيات الإنسان من حيث المقدرة والكفاءة والفعالية وتبعا لذلك غدت تلوح في الأفق الآن مؤشرات عديدة تنبئ بأن تغيرات عميقة ستطرأ على المشهد الفلسفي للقرن المقبل الذي لم تعـد تفصلنا عنـه إلا سنوات ثلاث فقط. 2 ـ عن بعض المظاهر الحالية للتقدم العلمي والتكنولوجي وربما يكون من الملائم أن نذكر باقتضاب ببعض الاكتشافات العلمية الحديثة التي شهدتها العقود الأخيرة من هذا القرن والتي لم يعد الفيلسوف حرا في أن يتجاهلها ويغـض الطرف عنهـا، ذلك لأن تطبيقاتـها في الوقت الحالي وفي المستقبل القريب ستحدث لا محالـة انقلابا كبيرا في أحوال الوضعية البشرية. لقد حدثت بالفعل خلال هذا النصف الثاني من القرن العشرين، وبصفة خاصة في عقوده الأخيرة التي نوشك على توديعها، تحولات مذهلة في الكفاءات والقدرات المعرفة، وأصبحت الكلمة الأخيرة للتقنيين والمهندسين المختصين. ونمت العلاقات الدولية بشكل كبير، وتغيرت أنماط الحياة بكيفية مثيرة. وإذا شئنا أن نعبر عن كل ذلك في عبارة وجيزة لقلنا بدون أدنى تردد أنا أصبحنا نعيش عصر ميلاد دلالة جديدة لمفهوم العالم "Le Monde" ومفهوم العولمة "La mondialisation": إن نمو وامتداد واتساع وتداخل وتشابك العلاقات بين الدول لم يعد يتوقف في مختلف أنحاء المعمور. ويبـدو أنه لأول مرة في تاريخ البشرية أصبح العالم “Le Monde” بفضل التطور الهائل الذي عرفته تكنولوجيا الإعلام والإتصال الجديدة مجموعا منظما ومتواصلا فيما بينه بحيث غدا كل عنصر فيه، وفي أية منطقة من مناطقه، قادرا على إحداث نتائج غير متوقعة بعيدا جدا عن مكان ظهوره ولم تعد المشاكل ولا الحلول المطروحة في عصرنا منعزلة وذات طابع جهوي محض. ولا نتحدث هنا عن "العولمة" كما لو كانت أسطورة معاصرة بل كواقع تاريخي حقيقي، وبإمكاننا بطبيعة الحال جرد المساوئ والسلبيات الواقعية التي تفرزها، ولكن ما لا يجب أن يغرب عن بالنا ارتباطها الوثيق بالثورة العلمية وبالتقدم الهائل في تكنولوجيا المعرفة والاتصال. لا بد للفيلسوف أن يفهم ذلك إذا أراد أن يحضر ولادة وانبثاق العالم الجديد، عالم القرن 21! لقد تسارعت بالفعل وتيرة التقدم العلمي والتقنولوجي واتسعت مجالات تطبيقاته كثيرا. لقد تطورت العلوم الفيزيائية فازدادت قدرات الإنسان على التجوال في الكون بل وحتى على تغيير بعض معالمه، وبالتالي على تغيير شروط وظروف حياته فيه. وها هي العلوم البيولوجية المعاصرة المنحدرة من "العلوم الطبيعية" العتيقة توجد في عنفوان شبابـها وتحقق إنجازات مذهلة فيغدو العلم بفضلها قادرا على تغيير الكائنات الحية بما فيها الإنسان ذاته! نذكر هنا بإيجاز ببعض تلك الإنجازات. إن التقدم الكبير الحاصل في ميدان علم البيولوجيا قوى كثيرا من قدرة الإنسان على التحكم في عملية الإخصاب والإنجاب: فقد تنوعت وسائل منع الحمل وتيسرت سبلها، وبات من الممكن علاج أشكال كثيرة من العقم عن طريق الإخصاب الاصطناعي، كما التحديد الإرادي لجنس الأطفال المرغوب في إنجابـهم مسألة ممكنة، وكذلك "إنجاب" أجنة تحت الطلب في أوساط اصطناعية وخارج أي رحم نسائي. ولعل ما هو أكثر إثارة من هـذا وذاك أنه صـار باستطاعة النساء اليوم أن ينجبن أطفالا بدون أن تكون لهن أية علاقة جنسية بالرجال، شرعية كانت أم عاطفية أم ذات طابع مصلحي عابر، وذلك بفضل إمكانية "الاستفادة" من خدمات "بنك الحوينات المنوية"؛ بمعنى أنه أصبح من الممكن الآن أم يوجد صنف جديد من الأمهات بدون أباء! كمـا أن البيولوجيا الجزيئية (Biologie moléculaire) غدت تملك الآن وسائل متطورة للاحتفاظ بالحوينات المنوية وتخزينها من أجل استعمالـها في المستقبل وحتى بعد موت وانقراض أصحابـها. ومن ناحية أخرى فهي تخطو خطوات موثوقة نحو التنبؤ الوراثي الذي يهدف إلى الكشف المبكر عن قابلية الأفراد للإصابة ببعض الأمراض. نقرا في كتاب مختص في هذا الميدان أن "… التنبؤ في أقصاه يعني أن كل فرد سوف يتمكن عمليا من أن يعرف أي الأمراض هو مستهدف للإصابة بـها. وسيكون لبرامج الفرز المختلفة تأثيرها على كل فرد حتى على الأطفال الذين لم تحملهم أمهاتهم بعد، والذين يمكن أن تحدد خصائصهم من جينات الوالدين، وستتيح هذه البرامج للناس أن يتحكموا إذا شاءوا في حياتـهم،… وربما أدت برامج الفرز إلى تغيير خواص المجتمع نفسها".[5] أمام هذه المعطيات الجديدة ماذا ستؤول إليه مفاهيم أساسية عاشت عليها المجتمعات البشرية منذ آلاف السنين مثل الأبوة والأمومة والقرابة؟ واضح جدا أن تقدم العلم في المجالات السابقة الـذكر، قـد أدى أو من شأنه أن يؤدي إلى نتائج تتعارض مع القيم الأخلاقية التي تكرست تدريجيا منذ فجر التاريخ البشري، وفي جميع المجتمعات ولدى مختلف الأديان والفلسفات بوصفها عنصرا جوهريا في إنسانية الإنسان. ولعل مما له مغزى خاص في هذا الصدد أن ينشأ في العقدين الأخيرين من هذا القرن مبحث جديد يهتم بالتفكير الفلسفي والقانوني في المشاكل الأخلاقية الناجمة عن الأبحاث والدراسات المعاصرة في البيولوجيا وبصفة خاصة في فرعها المختص بالهندسة الوراثية "La Génétique" ويعـرف هذا المبحث الآن بالمصطلح الجديد “Bioéthique”الذي اعتمدته القواميس منذ سنة 1982، وهو يلقى حاليا نجاحا ملموسا ويدور حوله نقاش لعله من أهم نقاشات الفلسفة والقانون في نهاية هذا القرن.[6] ولا داعي للاستغراب فقد كان الدافع العلمي إلى تطوير البحوث في علم البيولوجيا المعاصرة من قبل ذا مرامي إنسانية محددة وواضحة تتمثل في معالجة بعض التشويهات والانحرافات الناتجة عن الأمراض الوراثية، بينما يظهر الآن أن هذا الدافع يتجه وسيتجه في القرن المقبل أكثر نحو القيام بدور الطبيعة ذاتها! لا نستبعد أن يفهم من أسلوب إثارتنا لما ينجم من مشاكل وانعكاسات على الفكر الفلسفي نتيجة انتشار مظاهر التقدم العلمي والتكنولوجي أننا من أشياع نزعة الإدانة الرومانية المطلقة لكل ما أسفر عنه. وتلافيا لسوء الفهم نسارع ونقول بأننا لا نخفي تحفظنا من التقييم السلبي والمتشائم الذي أصدرته فلسفة مارتن هيدجر وتفرعاتها وأصداؤها في الفلسفة الفرنسية المعاصرة مثلا على الحضارة التقنية عندما وصفتها بأنها "إرادة الإرادة" وعملية تنمو وتتناسل لذاتها وتفرض نفسها بشكل شمولي على الإنسان، وذلك باسم فعالية تزداد جنونا ودفة يوما عن يوم وتـهدد مستقبل البشرية. وقد عبرنا عن رأينا هذا في مكان آخر.[7] نحن نعتقد أنه ليس من الصواب وسداد الرأي أن يتجاهل بالكامل ما أصبحت تدين به الإنسانية جمعاء للتقدم التكنولوجي في مختلف ميادين حياتـها. نقول هذا وليست غائبة عنا بالمرة جوانب الوجه الآخر "المظلـم" لطبيعة ذلك التقدم. كتب سيجموند فرويد في سنة 1938، أي سنة واحدة قبل موته، واصفا عصره: "نحن نعيش في زمان شديد الغرابة، أصبحنا نلاحظ فيه وباستغراب أن التقدم قد عقد تحالفا مع النـزعة الهمجية والبربرية".[8] وساق على ذلك أمثلة ناطقة من واقع تلك الفترة الحرجة من تاريخ الإنسانية، وليست أمثلته في الحقيقة سوى مقدمات إذا ما قورنت بما سيشهده العالم بعد ذلك من ويلات الحرب العالمية الثانية والحروب "الجديدة" التي تلتها. أما القارئ المعاصر الذي يعيش الآن نـهاية القرن العشرين والذي يسمح له نضج تجاربه وتقدم سنه بإمكانية المقارنة فقد صار من اليسير عليه أن يضيف أمثلة أخرى أكثر رعبا وفظاعة عن ذلك التحالف الشاذ بين التقدم العلمي والتكنولوجي وبين النـزعة إلى الإبادة والتدمير الشامل. لا ننكر إذن أن التقدم العلمي والتكنولوجي سيء السمعة عموما في مجال الفلسفة والأخلاق، وقد نظر إليه دائما بعين الريبة والحيطة لأنه يعد عاملا لزعزعة الحقائق المستقرة من ناحية ولأنه من ناحية أخرى كان السبب في كوارث فظيعة لحقت بالإنسانية يصعب تناسيها، ولكن طبيعـة التفكـير في الإشكالية المطروحة تلزمنا بألا ندين فقط ولكن أيضا وبقدر الإمكان أن نحلل ونفهم وحسب المستطاع أن نتوقع ما يمكن أن تحدثه معرفة تتطور وتتعاظم باستمرار، أي ما يمكن أن يحدثه تقدم العلوم والتكنولوجيا في عصرنا من انعكاسات وآثار على توجهات الفكر الفلسفي في القرن المقبل. 3 ـ الواقع الراهن للفلسفة وأشكال الخطاب الفلسفي الجديد نقول إذن إنه عند إمعان النظر في متطلبات عصرنا الحالي وأمام هذه الأوضاع والمعطيات الجديدة سنقف على حقيقة أن الفلسفة أضحت تبدو لنا عتيقة ومتجاوزة وكأنـها تنتمي حقا إلى مرحلة قد ولت. فهي ذات طبيعة نظرية تغرق في التجريد والعمومية ؛ وتعليمها غير متلائم مع مشاكل العالم اليوم ؛ وليست لـها أية مردودية ملموسة ومباشرة، وتكاد تكون منقطعة الصلة بمشاكل الحياة اليومية. وهناك بكل تأكيد أسباب وجيهة لتفسير هذا الانطباع ولعل من أكثرها وضوحا أن الشعوب والمجتمعات في المرحلة الراهنة من تاريخ البشرية، وحيثما وجدت في أنحاء المعمور، بدأت تشعر وتعي بأن وضعيتهـا الحاضرة بل و مستقبلها كذلك أصبحا مرتبطين ارتباطا وثيقا بمدى مقدرتـها على استيعاب التقنية والتمكن من الاستفادة منها.[9] ومن بإمكانه اليوم أن يجادل أو يتجاهل أن حال الفلسفة لم يتغير كثيرا وانه لا يزال في أيامنا هاته كما كان عليه حتى منتصف العقد السابع من هذا القرن على الأقل ؟ لقد كانت المذاهب والمدارس والتيارات الفلسفية في ذروة حيويتها وعطائها تتناظر وتتساجل وتتصارع : الفنمولوجيا والوجودية و الشخصانية في مواجهة الماركسية، والماركسية في مواجهة الوضعية المنطقية والوجودية والبنيوية، والوضعية المنطقية في مواجهة المذاهب "الميتافزيقية" قاطبة، والفلسفة البنيوية في مواجهة الوجودية والماركسية معـا، والقراءات الجديدة للماركسية وللفردية تتواجه وتتنافس فيما بينها إلخ… ولا ننسى أن الساحة الثقافية شاهدت كذلك بروز ظاهرة هيمنة أعمدة الفكر والفلسفة المعاصرة الكبار مثل ليفي ستروس، وميشيل وفوكو ودريدا وألتوسير ودلوز إلخ… وكان أغلب هؤلاء أساتذة مرموقين ينتمـون إلى الجامعات. أما اليوم فقد صرنا نلاحـظ الفلسفة وهي تنكمش على نفسها وتغدو ميالة إلى التروي والحذر؛ والفلاسفة الكبار يختفون واحدا تلو الآخر بدون أن يعوضوا؛ والفلسفة الجامعية وهي تنحسر وتتراجع حتى ليبدو أن همها الأساسي بات هو الاقتصار على تدريس تاريخ الفلسفة القديمة والوسيطية والحديثة منها بصفة خاصة. وهكذا بدأت الصلات التي تربطها بالحياة الثقافية تنفصم عراها تدريجيا، وأصبح الفيلسوف يتشكك بالفعل في أن تكون الجامعة هي مكانه الطبيعي. لقد توارت عن الأنظار مذاهب فلسفية كبرى وباتت تتفكك، وانـهارت أنظمة اعتقدت ولفترة طويلة أنها كانت تملك الحقيقة وبرزت تصرفاتـها وقراراتـها بناء على ذلك. وصرنا نلاحظ عن كثب اتساع ظاهرة التراجع الكبير للأشكال التقليدية التي ظهرت عليها الفلسفة "المتـزنة" منذ نـهاية الحرب العالمية الثانية. كما أن المسائل الفلسفية الكبرى التي ظلت المنبع الذي يمد الفكر الفلسفي بالحيوية منذ العصر اليوناني أصبحت موضع تشكيك من طرف عدد كبير من الفلاسفة أنفسهم، حتى إنه لم يعد مما يثير الاستغراب اليوم أن نسمع الطالب في قسم الفلسفة في جل جامعات العالم يؤكد بأن مهمة الفلسفة ليست هي إيجاد حلول للمشاكل "المييتافزيقية" الكبرى المطروحة منذ أفلاطون ، بل إن دورها أضحى بالأحرى هو تفكيك وهدم وتقويض جميع الأوهام التي تصدر عنها.[10] وعلاوة على ذلك ثمة سمة أخرى لافتة للإنتباه: إن مطلب العقلانية الذي كان من قبل من أولويات الفلسفة أصبح اليوم مهددا بسـبب تكاثر وانتشار النـزعات الشكية والظلامية المتطرفة. فقد تضـاءل الحرص الذي كانت تبديه جل الفلسفات السابقة على تبني النـزعة العقلانية وعلى متابعة ما يستجد في ميادين العلوم، وعلى الاستلهام منها ومن مناهجها، وصرنا اليوم نلاحظ تراجعه حتى ليبدو للعيان أن العقـل والعقلانية قد أصبحا بالفعل مهددين بفعل تجدد وانتشار الاتجاهـات اللاعقلانية ذات الأصول الدينية أو الصوفية أو الفوضوية أو الفلسفية التفكيكية. ومن يدري فلعل هذه الظاهرة هي نتيجة أخرى لانـهيار "اليقينيات" والمنظومات الفلسفية الكبرى التي شهدها عصرنا الحالي. وفي هذا المناخ الفكري رأينا تيارات متميزة في الفكر الفلسفي المعاصر "تعني" الفلسفة غير ما مرة وتدعو إلى التخلي عن التفكير بمفاهيم مثل الذات والوعي والعقل والمعنى والحرية والتاريخ… ونشـأت موضوعات جديدة للتفكير الفلسفي وظهرت بالتالي أشكال حديثة من الخطاب لم تكـن معهودة من قبل في تقاليد الفلسفة، ومن سماتـها أنـها تميل أكثـر إلى التعبير عن حساسيات جديدة لم تكن واضحة في فكر العقود الماضية. وبدا أن الفلسفة لم تعد من خلال تلك الخطابـات الجديدة مسؤولة عن التفكير في ما يوجه الفعل الإنساني أو ما يؤسس المعرفة وتوجهاتـها، وساد الاعتقاد بأن مهمتها أضحت تقتصر بالدرجة الأولى على ضرورة رد الاعتبار للخيال وللوهم ولكل ما كان العقل الفلسفي من قبل يقصيه وينبذه؛ أي الإشادة بما هو لا عقلاني ومختلف ومتعدد ومهمـش ومقصي وشاذ وفوضوي. 4 ـ عناصر تجديد محتمل في الفكر الفلسفي لبدايات القرن 21 نعود مرة أخرى إلى مسألة العلاقة بين الحكمة والمعرفة ونتساءل: إذا كان تطور الواقع وتطور العلوم والمعارف يساعد على إحداث جميع هذه التغييرات التي أبرزتـها سابقا فما هي الحكمة الجديدة التي يتوجب على الفلسفة استخلاصها وبثها؟ من باب الحذر والتروي نجيب بأنه لم يعد بإمكان الفيلسوف المعاصر أن يتنبأ سوى بحكم مؤقتة على غرار فكرة "الأخلاق المؤقتة" التي كان ديكارت قد اقترحها استلهاما من حال المعرفة في عصره، وإلا فإنه سيكون في موقف حرج، وقد يزكي وبدون أن يكون ذلك هو قصده بالفعل، ما تحوم حوله من شكوك منذ زمان بأنه دائمـا ذلك "المتنبئ" الذي لم يعد هناك حقا من يكثرت بتصديق ما يقول! لقد أفادنا تاريخ الفكر الفلسفي على الدوام بالحقيقة التالية: إن انتشار النـزعات الشكية واللاعقلانية يقوى عندما تكون المثل الاجتماعـية القديمة آخذة في الاهتزاز في حين أن المثل الجديدة لم تنجح بعد في فرض نفسها، ولاشك أن إمارات هذه الحقيقة بادية على الواقع الراهن لعصرنا. فهل يجوز لنا أن نستشرف من وراء ذلك أن مهمة الفلسفـة في المستقبل القريب ستكون شبيهة بمهمتها في عصر الأنوار ؟ وبعبارة أخرى هل ستستعيد الفلسفة في بدايات القرن المقبل دورها التنويري ويغدو الصراع الفكري كما كان عليه في عصر الأنوار: العقل ضد النـزعات الظلامية واللاعقلانية، مع ما يقتضيه الحال من تجديد وتحيين لمعاني العقل واللاعقلانية؟ ذلك ما لا يستبعده كثير من المهتمين بمستقبل الفلسفة.[11] ومن المألوف أن الفلسفة في فترات الانكماش والتحول غالبا ما تشتكي بأنـها أصبحت مهمشة وبأن أهميتها قد تضاءلت بالفعل، ولـذلك فهي تغدو في موقف متأزم يحتم عليها أن تبحث عن أدلة جديـدة لتبرير مشروعية وجودها. ونحن نعتقد أن من بين الدلائـل الجديدة التي أصبحت متاحة لها الآن الحاجة الماسة إليها لأن تساهم من خلال برامج التعليم الفلسفي في الإعداد والتحضير للحياة في العالم الحالي للبشر الذي يطبعه التغير السريع وليس في عالم المثل المفارق ؛ أي لأن تمارس دورها الثقافي وتقوم بتحليل مشاكل العصر لمساعدة المواطنين على فهمها. وهناك مؤشرات حالية كثيرة توحي بأننا سنشهد انبعاثا جديدا لعلاقة الفلسفة بالسياسة في مستهل القرن المقبل، على الأقل على مستوى برامج التعليم ولعل أكثرها تجليا هذا الانتعاش الكبير للخطاب عن حقوق الإنسان. فإذا كان تعليم الفلسفة قد زودنا إلى حد الآن بمجموعة من الرؤى العامة التي كونـها البشر عن الحياة وعن العالم وعن العلاقات فيما بينهـم، كما أمدنا بمعلومات ثقافية غنية وكذلك بمعطيات تاريخية، فإن كثيرا من المهتمين بالفكر الفلسفي في عصرنا غدوا أكثر طموحا وصاروا ميالين إلى الاقتناع بأن من الممكن أن يكون لتعليم الفلسفة أيضا، فضـلا عن مزاياه السابقة علاقة وثيقة بقضية الديموقراطية بحيث يمكن أن يدعمها ويدافع عنها. وربما يبدو للوهلة الأولى أن العلاقة بين الفلسفة والديموقراطية ليست واضحة وليس لها مضمون خاص متميز وثابت، ولا غرابة في الأمر فنحن حقا أمام مسألة "فلسفية" حديثة العهد ولا تعد من المسائل الفلسفية الكلاسيكية، بل ولم يكن من المعتاد طرحها من قبل.[12] حقا لقد نظر دائما إلى العلاقة بين الفلسفة والسياسة بنوع من التوجس والحيطة، ولم تكن الفلسفة السياسية حتى الآن تحظى بصفة عامة في التعليم الفلسفي سوى باهتمام ضئيل، بحيث يصح القول أن التفكير في قيـم التقاليد الديموقراطية أو ما يمكن تسميته بأسس النـزعة الإنسانية الجديدة مثل الحريات العامة وحقوق الإنسان والتعددية وحق الاختلاف والتسامح والتحاور بين الثقافات، والحياة السياسية الدولية الجديدة، يكاد يكون غائبـا في هذا التعليم الذي ظل محصورا ولفترة طويلة في إطار موضوعـات أخلاقية ذات طابع عام، وفي أحسن الأحوال في فكرة الالتزام الأخلاقي من منظور النموذج الذي اقترحته في الأربعينات الفلسفة الوجودية عند ج. ب. سارتر. أما اليوم ونحن نشرف على القرن الواحد والعشرين، فقد بدأنا نلاحظ أن الاهتمام الذي أصبح التعليم الفلسفي على المستوى العالمي يوليـه للمسائل السياسية وبصفة خاصـة لمسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان قد تزايد كثيرا على ما كان عليه من قبل، ما يعني أن مضمون النـزعة الإنسانية قد تزايد كثيرا على ما كان عليه من قبل، مما يعني أن مضمون النـزعة الإنسانية أصبح يغتني بعناصر جديدة سياسية واجتماعية بفضل تقدم الوعي البشري وبفضل ما أصبح العلم يوفره من إمكانيات للبشرية. ومما يزكي هذا التوجه أن أغلب المؤتمرات الفلسفية العالمية التي انعقدت في الفترات الأخيرة لم تكن مترددة إطلاقا في "الخوض" مباشـرة في السياسية. ويجمل بنا أن نورد في هذا السياق الأفكار التالية كانت من جملـة ما تضمنه البيان الختامي لآخر تلك المؤتمرات من حيث توقيت انعقاده : "إن مجتمعنا يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة إذا كان يرغب في تضامن فعال…، كما يحتاج إلى إعادة تحديد مفهوم التقدم الاجتماعي والحقوق الخاصة،… وإلى ضرورة مراجعة التاريخ الحديث للبشرية من أجـل تفادي الوقوع في نفس أخطاء هذا القرن الذي اتسم بثقافة الحروب".[13] تتوفر أمامنا إذن عناصر كثيرة لحثنا على افتراض أن الفكر الفلسفي في القرن المقبل، وبالنظر إلى ما يمكن استقراؤه من شروطه وتوجهاته الحالية، سيكون أميل إلى الارتباط بالسياسة وأكثر استعدادا للاهتمام بقيم ومبادئ الديموقراطية؛ ذلك لأنه سيكون مؤهلا لتعليمها ونقلها والمساهمة بواسطتها في تكوين وتربية المواطن. كيف لا والمطلب قـد غدا عزيزا وملحا نظرا لما بتنا نشاهده اليوم في أنحاء عديدة من العالم من نمو لظواهر الكراهية والتطرف، ومن انتشار لأشكال المس بالحريات العامـة وانتهاك لحقوق الإنسان، بل واللجوء حتى إلى الاغتيالات. لقد أضحت هذه الظواهر تحتل حيزا هاما في فضائنا اليومي من خلال الصحف ونشرات الأخبار. وما دامت المبادئ التي تحرك الفكر السياسي لا تظل هي عينها عبر كل الظروف والملابسات الإنسانية والاجتماعية والتاريخية، لأن من طبيعة الأمر السياسي أنه أقل الحقول الإنسانية خضوعا للتقييمات وللأحكام النهائية، لا يستبعد المهتمون بحقل الفلسفة السياسية في المستقبل أن تطرأ على مبدأ الديموقراطية نفسه تغييرات يمكن أن تمس جوهره ومسلسل تطبيقه، وبصفة خاصة في الدول ذات التقاليد الديموقراطية العريقة التي قد تكتشف مثلا أهمية الديموقراطية المباشرة بعدما فضلت إلى حد الآن الديموقراطية التمثيلية. أما في مناطق العالم التي لا تزال تـهيمن فيها الثقافة المقدسة للسلطة، أو التي لم تعرف الإرهاصات الأولى للديموقراطية غلا في فترة متأخرة فمن المرجح أن انتشار قيم الديموقراطية فيها سيتحقق ببطء ولكن الدلائل الحالية تجيز القول بأن معطيات القرن المقبل لن تسمح لـها أبدا بالتقوقع أو بالتراجع إلى الوراء. حقا إن غياب إيديولوجيا كبرى كانت حتى الأمس القريب تحفز العزائم وتشحذها، وتعتبر "مستقبل البشرية"، من شأنه أن يقوي الميل إلى الامتثال ويضعف بالتالي من إمكانيات الفلسفة للدعوة إلى الثورة أو التمـرد. لأنه بات مفروضا على الفيلسوف أن يفكر بطريقة مغايرة لما تعوده من قبل وطيلة عقود من السنين. ولكن في منظورنا لا يمكـن أن يعتبر غياب تلك الإيديولوجيات دليلا كافيا على مصداقية فكرة "نـهاية الإيديولوجيا" رغم ما تتسم به من جاذبية وإغراء. فما دام الإنسان يحن ويفكر ويحلم ويأمل ويطمح فسيظل أبدا "حيوانا إيديولوجيا". والإيديولوجيا في العمق وكما وصفها عن حق الفيلسوف الفرنسي الراحل لوي ألتوسير "خالدة" ولن تتوقف أو تنتهي في عصـر معين، وكل ما في الأمر أنها تنحو إلى التجدد باستمرار، وذاك ما لا نفتأ نشهده بالفعل وحتى الآونة الأخيرة: فعلى أنقاض تلك التي قيل أنـها توارت سرعان ما ظهرت في السنوات القريبة الماضية إيديولوجيات جديـدة في صيـغ نظريات جذابة ذاع صيتها بسرعة فائقة. ونذكر من بينها بصفة خاصة نظريات: "النظام العالمي الجديد"، و"نـهاية التاريخ"، و"هيمنة الفكر الأوحد"، و"حتمية صراع الحضارات" ومن المرجح ألا تتـاح لبعض هذه النظريات حتى فرصة العبور إلى القرن 21 نظرا لتسـرعها وتـهافتها! فهل سيستفيد الفكر الفلسفي، وفي بدايات القرن المقبل على الأقل، من دروس وعبر وحتى لا نقول من "أخطاء" القرن الذي نودعه، فيصيغ فلسفة ملابسات الواقع الجديد الذي يشهد كون علاقة الإنسان مـع محيطه ومع الزمن بدأت تعرف تحولا جذريا؛ والذي يتسم بسرعة أفول الحقائق والقيم وتراجع أوهام المثقفين، أم أنه سيستكين إلى ممارسة لعبة النسيان؟ وهل لا يزال حقا في مقدور الفيلسوف المعاصر أن يحدو حدو سلفه كانط (Kant) فيدعو إلى التضحية بالعلم من أجل الإيمان، ويغض الطرف عن العلاقة ما بين اللاشعور والوعي مثلا، أو بين الجينات ومصائرنا، ويتجاهل بالتالي الإمكانيات الهائلة التي أصبحت توفرها ثورة المعرفة وعلـوم الاتصال، وذلك لكي ينقد ويحافظ على تصورات معينة عن الإنسان وعن الوعي وعن الإرادة الحرة وأخلاق الواجب؟ لا نظن أن مهنة الفيلسوف في المستقبل ستبقى هي مواصلة للتقليد السقراطي أي الاستمرار في البحث عن الحقيقة عن طريق التامل والحوار وطرح الأسئلة، ونعتقد أنـها ستكون بالأحرى محاولات دؤوبة لفهم واستيعاب التحولات الكبرى ودلالات إنجازات البحث العلمي على الصعيد العالمي وآثارها على أحوال الوضعية البشرية، وذلك لغاية إعادة سبك وصياغة وإنشاء مفاهيم حديثة للمساهمة في التنوير والتوعية بقيم الحكمة الإنسانية الجديدة. ولا نبتدع جديدا عندما نكرر القول بأن لكل عصر حكمته، وحكمة مطالع القرن الأول في هذه الألفية الثالثة كما بدأ يتراءى لنا الآن هي العودة مجددا إلى الإنسان وإلى الأخلاق وإلى السياسة ولكن اعتمادا على تعدد المناظير كقيمة جديدة. ولا نخفي أننا نشاطر هنا وجهة النظر التي تراهن على فرضية أن التعددية والنسبية هي التي ستكون السمة الأساسية لثقافة القرن المقبل، على الأقل للعقود الأولى منه.
ترجمة: عبدالسلام الطويل أليست الكتابة عن الفن مهمة مستحيلة ؟ ما الفن على العموم ؟ هل يمكن أن نحمل نفس الخطاب حول الفن "التمثيلي"، وحول الفن "الحديث" ؟ وهل كل مجال من هذين المجالين هو بالفعل كل متجانس ؟ هل يمكن أن نتحدث ـ فضلا عن ذلك ـ عن الموسيقى، وعن الهندسة المعمارية، وعن النحث، وعن الصباغة، وعن الشعر، وعن السينما، وعن التصـوير الفوتوغرافي، إلخ. بنفس الطريقة ؟ هل هناك نمط من الفن يمكن أن ننظر إليه بعين الامتياز ويمكن أن يعمل كنموذج، كمثال ؟ كل هذه الأسئلة تستند على قناعة أولية مفادها أن هناك أعمالا فنية، وتصنيفا تراتبيا للفنون، الأمر الذي يفترض أن السؤال الأولي : ما الفن؟ سؤال محلول وهو سؤال مفحم، هو الآخر، بالافتراضات الميتافيزيقية. أريد فقط أن أبيّن هنا على كون أن "سؤال الفن" هو ما يجبر، ربما، على تحريك هذا النوع من علامات الاستفهام، وعلى فك مفاهيم النموذج والمثال، وأنه سؤال يلزم التوسل ـ على نحو عام جدا ـ بكل نسق التعارضات الميتافيزيقية التي يستند عليهـا الخطاب الفلسفي الكلاسيكي حول الفن، وذلك التعارض بين الفن والطبيعة، بين المحسوس والمعقول، بين الشكل والمضمون بين السطح والعمق، بين الظاهر والواقع، بين الدال والمدلول، إلخ. جعلُ الفن سؤالا فلسفيا، جعلُ خطاب حول الفن يخضع لهذا النسق من التعارضات، أليس [معنى] هذا هو استعادة سيطرة الفلسفة التي كانت تريد دائما أن تخضع الفن للوغوس وللحقيقة ؟ والتي كانت تضع دائما، وعلى نحو كاشف، فنون اللغة والشعر في قمة المراتب ؟ 1 ـ بديل الفن يجعل هيجل، مثلا (إذا كان الأمر يجدر هنا بمجرد مثال) من الفن لحظة لنمو العقل تجد اكتمالها وبديلها[1] في الدين. يتم تعريف الفن كتعبير حسي عن العقل. ومعيار التعبيرية (الذي يكون ـ من حيث شرط إمكانيته ـ هو التعارض بين الشكل ـ المادة المحسوسة ـ والمضمون ـ المعنى الفكرة ـ العقل) هـو الذي يُسَوّغ تصنيفا تراتبيا للفنون التي تذهب من الأقل روحية إلى الأكثر روحية : في الرتبة الدنيا يوجد الفن المعماري الذي هو من حيث الشكل، مادة البناء، الكتلة الآلية الثقيلة، ليس له مع مضمونه، العقل، الله ـ إلا علاقة خارجية خالصة، فهو إذن غير جدير بإظهاره وتجسيده، والإبانة عنه. الفن المعمـاري هو فن رمزي يكتفي بتلميح بسيط إلى العقل، مع تـهييئه للطريق نحو تعبير مطابق بإعداده لمواد البناء الخارجية. في قمة هذه التراتبية يوجد الشعر، الفن الأكثر روحية : المادة المحسوسة، الصوت المتمفصل، لا يشكل فيه رمزا، لقد صار مجرد علامة على المضمون، على التمثل، على الجوانبة الروحية. إنه محروم بذاته من كل قيمة جوهرية : ولكن الشعر أيضا، الذي هو المثل الأعلى للفن، اكتماله، هو ختامه في نفس الوقت، حينما يمحي الشكل كليا، كمادة، لحساب قيمته التعبيرية الروحية، حينئذ فإن الفن الذي يكون عليه أن يمثل المضمون الموضوعي في شكل محسوس، يختفي باعتباره كذلك ليجد الشعر اكتماله وبديله في النثر. لذلك فإن الفنون الوسيطة، النحث، الصباغة، الموسيقى التي يبقى الشكل فيها محسوسا، هي التي، وإن كانت أقل رتبة من الشعر، فهي تتوافق أفضل مع متطلبات "اللحظة" المخصوصة للفن في أن تكون هذا الوسيط الذي يمكن من الكشف عن الروحية في حضن الطبيعة ذاتـها. "على المحسوس أن يكون حاضرا في العمل الفني، ولكن مع هذا التقييد المتمثل في أن الأمر يتعلق فقط بالمظهر السطحي، بالظاهر المحسوس […] ما يريده العقل هو الحضور المحسوس الذي يتعين عليه أن يبقى محسوسا، ولكن عليه أيضا أن يتخلص من ثقل المادية. لذلك يرتقي المحسوس في الفن إلى حالة الظاهر الخالص بالتعارض مع الواقع المباشر للأشياء الطبيعية. <























واااااااااااااااااااو
عشقي فيروز
الف شكر
بس ياريت فيه غنيه
أنا لحبيبي وحبيبي الي