مرفأ
....ســـــاحة لـلادب والثقـافــــــة....
.
.

الضيف الحجري..ألكسندر بوشكين

ترجمة :عدنان جاموس

مسرحية شعرية قصيرة في أربعة مشاهد 

المشهد الأول

دون جوان وليبوريللو

دون جوان: لننتظر الليل هنا. آه، أخيراً وصلنا إلى بوابة مدريد! قريباً سأعدو في الشوارع المعهودة مغطياً شاربيّ بمعطفي، وحاجبيّ بقبعتي ما رأيك؟ ستستحيل معرفتي؟

ليبوريللو: أجل! من الصعب معرفة دون جوان! فأمثاله لا يُعدّون ولا يُحصَوْن!

دون جوان: أتمزح؟ ومن الذي سيعرفني؟

ليبوريللو: أول حارس، غجرية ما، أو موسيقي سكران أو أخوك بالذات، الفارس الوقح الذي يتأبط سيفه ويرتدي معطفاً.

دون جوان: وما هذا الهم العظيم، حتى لو عرفوني. وحده الملك أرجو ألا يصادفني. وعلى كل أنا لا أخشى أحداً في مدريد.

ليبوريللو: غداً بالذات سيصل إلى علم الملك أن دون جوان قد غادر منفاه بلا إذن وأتى إلى مدريد. قل لي: ماذا سيفعل بك عندئذ؟

دون جوان: سيعيدني إلى هناك. من المؤكد أنهم لن يقطعوا رأسي. فأنا لست خائناً للوطن وهو قد أبعدني عن حب كي تتركني وشأني أسرة القتيل.

لوبيريللو: هكذا بالضبط! إذاً أقم هناك والزم الهدوء.

دون جوان: يا خادمي المطيع! هناك كدت أموت من الضجر، أي ناس أولئك وأية أرض! ثم السماء؟ إنها كالدخان.

والنساء؟ إنني لا أبادل أولى الحسناوات هناك بآخر فلاحة أندلسية ـ صدقاً أعجبنني في البداية بعيونهن الزرق، وبياضهن وتواضعهن ـ والأهم. بجدّتهن؛ ولكنني أحمد الرب على أنني سريعاً ما أدركت: أن التعامل معهن إثم لا يغتفر، فهن خاليات من الحياة، وكلهن كالدمى الشمعية؛ أما نساؤنا!... ولكن اسمع: إنني أعرف هذا المكان، فهل عرفته أنت؟

ليبوريللو: وكيف لا أعرفه: إنه دير أنطون، ما زلت أذكره. كنتم تأتون إلى هنا وكنت أنا أمسك بالخيول في هذا الدغل ولأعترف بأنها كانت مهمة لعينة. كنتم تُسرّون في قضاء الوقت هنا أكثر مما أُسرّ أنا، صدقني.

دون جوان: (مستغرقاً في التفكير) يالإينيزا المسكينة! لقد رحلت عن عالمنا! كم كنت أحبها!

ليبوريللو: إينيزا السوداء العينين... أوه، إنني أذكرها ظللتَ ثلاثة أشهر تتودد إليها؛ وبصعوبة ساعدك الشيطان.

دون جوان: في تموز... ليلاً. متعة غريبة كنت أحس بها في نظرتها الحزينة وشفتيها شبه الميتتين. هذا غريب. أنت، كما أظن، لم تكن تراها جميلة نعم.. لم يكن فيها ما هو رائع بحق، سوى القليل، عيناها، عيناها فقط، ونظرتها. مثل تلك النظرة لم أصادف في حياتي قط. أما صوتها فكان خافتاً وضعيفاً، كما لو أنها مريضة زوجها كان وغداً قاسياً، كما علمت فيما بعد... مسكينة إينيزا.

ليبوريللو: ولكن بعدها كانت هناك أخريات

دون جوان: هذا صحيح...

ليبوريللو: وإذا عشنا سيكون هناك غيرهن

دون جوان: أيضاً صحيح.

ليبوريللو: والآن عمن نبحث في مدريد؟

دون جوان: أوه، عن لاورا! سأسرع إليها رأساً.

ليبوريللو: وهو كذلك.

دون جوان: إليها رأساً، من الباب، وإذا كان عندها أحد سأطلب إليه أن يقفز من النافذة.

ليبوريللو: طبعاً. لقد استَغْرَقَنا المرح. المتوفيات لا يقلقننا طويلاً.

من القادم إلينا (يدخل راهب)

الراهب: الآن ستأتي. من هنا؟ ألستما من رجال دونا آنّا؟

ليبوريللو: لا، نحن سيدان مستقلان، جئنا نتنزه هنا.

دون جوان: وأنت من تنتظر؟

الراهب: ستأتي الآن دونا آنا. لتزور قبر زوجها.

دون جوان: دونا آنا دي سولفا! كيف! زوجة الكوماندور الذي قتله... لا أذكر اسم من قتله؟

الراهب: الفاسق، عديم الضمير الكافر، دون جوان.

ليبوريللو: أُو.. هو! هكذا إذاً. الإشاعات عن دون جوان وصلت حتى إلى هذا الدير الآمن. والنسّاك يتمرنون بالأناشيد في مدحه.

الراهب: ربما كنتما تعرفانه؟

ليبوريللو: نحن؟ البتة! وأين هو الآن؟

الراهب: هو ليس هنا، إنه في منفى بعيد.

ليبوريللو: الحمد للرب، كلما ابتعد كان أحسن. ليتهم يضعون كل هؤلاء الفاسقين في كيس واحد ويلقون بهم في البحر.

دون جوان: ما هذا، ما هذا الهذر؟

ليبوريللو: اسكت، أنا عن قصد..

دون جوان: إذاً هنا دفنوا الكوماندور

الراهب: هنا؛ صنعت له زوجته تمثالاً. وهي تأتي إلى هنا كل يوم لتصلي لراحة نفسه، وتبكي.

دون جوان: يا للأرملة الغريبة الأطوار! وهي ليست بشعة؟

الراهب: نحن النساك لا ينبغي لنا أن نفتتن بالجمال الأنثوي. ولكن الكذب حرام؛ لا يمكن لأي إنسان ورع إلاّ أن يعترف بجمالها الرائع.

دون جوان: ولذا ليس عن عبث كان المرحوم غيوراً، كان يبقي دونا آنا وراء أبواب مقفلة، ولم يكن أحد منا يراها. إنني أرغب في أن أتحدث إليها.

الراهب: أوه، دونا آنا لا تتحدث مع أي رجل البتة.

دون جوان: ومعك يا أبتاه؟

الراهب: معي يختلف الأمر، أنا راهب، هاهي قد وصلت. (تدخل دونا آنّا)

دونا آنّا: افتح يا أبت.

الراهب: حالاً، سنيورا؛ لقد كنت بانتظارك.

(

تسير دونا آنا خلف الراهب)

ليبوريللو: ما هذا؟ يا لها من امرأة!

دون جوان: لا شيء منها ظاهر للعيان، من تحت ملاءة الترمل هذه بصعوبة لمحت عقبها الضيقة.

ليبوريللو: هذا يكفيك. لديك خيال يرسم لك بدقيقة كل الباقي؛ إنه عندك أمهر من الرسام، ولا يهمك مم تبدأ: من الحاجبين أم من القدمين.

دون جوان: اسمع يا ليبوريللو، أريد أن أتعرف إليها.

ليبوريللو: ما لك ولهذا! ما لزوم ذلك! قتلت الزوج، وتريد الآن أن ترى دموع أرملته، أنت بلا ضمير!

دون جوان: ولكن الظلام قد هجم فهيا بنا إلى مدريد قبل أن يبزغ القمر فوقنا ويحول الظلمة إلى غسق نيّر.

ليبوريللو: نبيل إسباني كأنه لص ينتظر الليل ويخشى القمر! حياة ملعونة، هل سأظل طويلاً أعاني من العيش معه؟ حقاً لقد نفدت قواي.

المشهد الثاني

(

غرفة. على مائدة العشاء عند لاورا)

الضيف الأول: أقسم لك يا لاورا، لم يسبق لك قط أن مثلت بمثل هذا الإتقان، لقد فهمتِ دورَك فهماً صحيحاً تماماً!

الثاني: وقد طوّرتِهِ بنجاح! وبزخم قوي!

الثالث: وبفنية عالية.

لاورا: نعم، لقد وُفّقتُ اليوم في كل حركة، وكل كلمة، واستسلمت بحرية للإلهام وكانت الكلمات تنثال كما لو أنها وليدة القلب، لا الذاكرة الوجلة.

الأول: صحيح. وحتى الآن أرى عينيك تلتمعان ووجنتيك تتوقدان، لم تزايلك الحماسة. لا تدعيها تخمد في داخلك وتخلّف الرماد؛ غنّي يا لاورا، اشدي بشيء ما.

لاورا: ناولوني الغيتار. (تغني)

الجميع: أوه! برافو! برافو! رائع! لا مثيل له!

الأول: نشكرك أيتها الساحرة. إنك تفتنين قلوبنا، لا شيء من متع الحياة يبز الموسيقا سوى الحب؛ والحب ذاته لحن... انظري: كارلوس نفسه، ضيفك المتجهم، قد تأثر.

الثاني: يا لهذه الأنغام! كم فيها من الروح! والكلمات لمن، لاورا؟

لاورا: لدون جوان.

دون كارلوس: ماذا؟ دون جوان!

لاورا: صديقي الوفي، عشيقي الطائش هو الذي ألفها فيما مضى.

دون كارلوس: دون جوانك هذا ملحد وسافل، وأنت، أنت حمقاء.

لاورا: هل جننت؟ الآن سآمر خدمي بأن يقتلوك. مع أنك نبيل إسباني.

دون كارلوس: (ينهض) هيا ناديهم.

الأول: لاورا، كفي عن هذا؛ دون كارلوس، لا تغضب. لقد نَسِيَتْ.

لاورا: ماذا؟ أن دون جوان قتل شقيقه في مبارزة شريفة؟ صحيح: أنا آسفة لأن القتيل لم يكن هو نفسه.

دون كارلوس: أنا غبي لأنني غضبت.

لاورا: أيوه! أنت نفسك تعترف بأنك غبي. وهكذا نتصالح.

دون كارلوس: أنا آسف يا لاورا اصفحي عني. ولكنني لا أستطيع أن أسمع هذا الاسم بلا مبالاة...

لاورا: وهل هو ذنبي أن هذا الاسم يدور على لساني في كل لحظة؟

ضيف: طيب، برهاناً على أنك لست غاضبة البتة غني لنا، يا لاورا، المزيد.

لاورا: نعم... قبل الوداع، فقد حان الوقت وأقبل الليل. ولكن ماذا أغني؟ آ، اسمعوا (تغنّي)

الجميع: بديع، ليس له مثيل!

لاورا: الوداع أيها السادة!

الضيوف: الوداع يا لاورا!

(

يخرجون، لاورا توقف دون كارلوس)

لاورا: مسعور أنت! ابق عندي لقد أعجبتني؛ ذكّرتني بدون جوان، عندما شتمتني وصرفت بأسنانك.

دون كارلوس: يا له من محظوظ! لقد كنت مدلهة بحبه.

(

لاورا تشير بالإيجاب)

جداً؟

لاورا: جداً.

دون كارلوس: ولا تزالين تحبينه؟

لاورا: في هذه اللحظة؟ لا، لا أحبه لا أستطيع أن أحب اثنين. الآن أحبك أنت.

دون كارلوس: قولي لي يا لاورا: كم عمرك؟

لاورا: ثماني عشرة سنة

دون كارلوس: أنت فتية... وستبقين فتية خمس أو ست سنوات. وسيظلون يحتشدون حولك ست سنوات أخريات. يلاطفونك ويدللونك، ويحضرون لك الهدايا ويسلونك بأغانيهم الليلية؛ ومن أجلك سيقتل بعضهم بعضاً ليلاً عند مفارق الطرق. ولكن عندما ينقضي الأجل، عندما تغور عيناك، وتسودّ أجفانك ووجهك يتغضن، ويلوح الشيب في ضفيرتك ويشرعون يصفونك بالعجوز عندئذ ـ ماذا ستقولين؟

لاورا: عندئذ؟ ولماذا نفكر بهذا الآن؟ ما هذا الحديث؟ أم أن هذه الأفكار تراودك دائماً؟ تعال ـ افتح باب الشرفة. ما أهدأ السماء؛ الهواء الدافئ ساكن، والليل يتنفس بشذى الليمون والغار، والقمر ساطع يتألق وسط زرقة كثيفة قاتمة والحراس يصيحون بأصوات ممطوطة "واضح!.." ولكنْ بعيداً، في الشمال ـ هناك في باريس ـ ربما كانت السماء ملبدة بالغيوم ويهطل مطر بارد وتهب الريح، فما لنا نحن ولكل هذا؟ اسمع يا كارلوس: إنني أطلب منك أن تبتسم... ـ أيوه، هكذا!

دون كارلوس: يا شيطاني اللطيف (طرق على الباب)

دون جوان: إيه! لاورا!

لاورا: من هناك؟ صوت من هذا؟

دون جوان: افتحي...

لاورا: أيمكن هذا! يا إلهي!

(

تفتح الباب، يدخل دون جوان)

دون جوان: مرحبا..

لاورا: دون جوان (تلقي بنفسها على صدره).

دون كارلوس: كيف! دون جوان!

دون جوان: لاورا، صديقتي المحبوبة (يقبلها) من عندك يا فتاتي؟

دون كارلوس: أنا، دون كارلوس.

دون جوان: لقاء غير منتظر! غداً سأكون كلي في خدمتك.

دون كارلوس: لا! بل الآن فوراً.

لاورا: دون كارلوس، كفى! أنت لست في الشارع بل عندي، تفضل اخرج.

دون كارلوس: (دون أن يستمع إليها) إنني أنتظر. إيه، هيا فسيفك على جنبك.

دون جوان: إذا كنت لا تطيق الصبر تفضل.

(

يتبارزان)

لاورا: آي! آي! جوان!..

(

تلقي بنفسها على السرير. ويسقط دون كارلوس)

دون جوان: انهضي يا لاورا. قضي الأمر.

لاورا: ماذا جرى؟ هل قُتل؟ رائع! وفي غرفتي! ماذا أفعل الآن، أيها العابث، أيها الشيطان؟ أين سألقي به؟

دون جوان: ربما ما زال حياً؟

لاورا: (تفحص الجسد الممدد) نعم! حي! انظر، أيها اللعين، طعنته مباشرة في القلب ـ لا تخف، لم تخطئ، والدم لا يجري من الجرح المثلث، ولكنه لم يعد يتنفس ـ عجيب؟

دون جوان: وماذا أفعل؟ هو الذي أراد هذا.

لاورا: إيه، دون جوان، أمر مؤسفٍ حقاً، دائماً هذه الشقاوات ـ ودائماً غير مذنب... من أين قدمت؟ هل جئت من مدة طويلة؟

دون جوان: وصلت لتوي، وخفية، فأنا لم يُصفح عني بعد.

لاورا: وفوراً تذكرت فتاتك لاورا؟ الأمر الجيد يبقى جيداً. كفاك! إني لا أصدقك. مررت من هنا مصادفة وشاهدتَ البيت.

دون جوان: لا.. يا فتاتي لاورا. لقد نزلت في نُزُل لعين خارج المدينة، وأتيت أبحث عن لاورا في مدريد. (يقبّلها)

لاورا: آه يا عزيزي! توقف... في حضرة الميت! ماذا سنفعل به؟

دون جوان: اتركيه: باكراً، قبل الفجر سآخذه تحت عباءتي وأضعه عند مفترق الطرق

لاورا: ولكن حذار أن يراك أحد، حسناً فعلت أنك أتيت متأخراً. فقبل دقيقة واحدة من قدومك كان عندي أصدقاؤك يتعشون وكانوا قد خرجوا لتوهم! وإلاّ لكنت أدركتهم هنا!

دون جوان: لاورا! أتحبينه منذ مدة طويلة؟

لاورا: من؟ إنك تهذي على ما يبدو

دون جوان: اعترفي، كم مرة خنتني في غيابي؟

لاورا: وأنت، أيها العابث؟

دون جوان: قولي... ولكن لا، سنتكلم فيما بعد.

المشهد الثالث

(

تمثال الكوماندور)

دون جوان: كل الأمور تسير نحو الأحسن. قتلت دون كارلوس عن غير قصد، فاختبأت هنا متخفياً بزي ناسك وديع.. وها أنا أشاهد كل يوم أرملتي الفاتنة وأظن أنها قد لحظتني. وحتى الآن يقف كل منا تجاه الآخر موقف المجاملة الرسمية؛ ولكن اليوم سأدير معها حديثاً. آن الأوان فبم أبدأ؟: "أتجرأ..." لا.. بل: "سينيورا"... إيه! ما سيخطر على بالي سأقوله لها من غير إعداد مسبق.. مرتجلاً أغنية الحب.... آن لها أن تصل. في غيابها ـ كما أظن ـ يشعر الكوماندور بالملل. أي عملاق هذا الذي يمثّله هنا! يا لهذين المنكبين! أي هرقل هو! في حين أن المرحوم كان ضئيلاً ونحيلاً، ولو وقف هنا على رؤوس أصابعه ورفع يده لما وصل إلى أنف تمثاله. عندما التقينا خارج اسكوريال اصطدم بسيفي وجمد كجرادة اخترقها دبوس مع أنه كان أبياً وجسوراً وذا نفس صارمة. آ! هاهي.

(

تدخل دونا آنا)

دونا آنا: إنه هنا مرة أخرى. يا أبت! إنني ألهيتك عن تأملاتك، اصفح عني.

دون جوان: أنا الذي يجب أن أطلب الصفح منك يا سيدتي، ربما كنت أحول دون فيضان حزنك بحرية.

دونا آنا: لا، يا أبتِ، إن حزني في داخلي. وصلواتي بوجودك يمكن أن تصعد إلى السماء بسكينة، أرجو أن تضم صوتك إليها.

دون جوان: أنا.. أنا أصلي معك، دونا آنا؟! إنني غير جدير بمثل هذه الحظوة. إنني لا أجرؤ على أن أكرر بشفتي الفاسدتين صلاتك المقدسة إنني أنظر فحسب إليك بخشوع من بعيد وأنت تنحنين بهدوء وتنثرين شعرك الأسود على المرمر الشاحب. ويخيل إلي أن ملاكاً قد زار هذا الضريح سراً. وعندئذ يخلو قلبي المرتبك من الصلوات!... ويتملكني العجب في صمت، وأفكر: سعيد ذاك الذي تُدفئ أنفاسُها السماوية مرمرَه البارد، وترشُّه دموعُ حبها.

دونا آنا: ما هذه الأقوال الغريبة!

دون جوان: سينيورا؟

دونا آنا: لي... أنت نسيت.

دون جوان: ماذا؟ أنني ناسك غير جديرٍ؟ أن صوتي الآثم لا ينبغي له أن يرتفع عالياً هكذا هنا؟

دونا آنا: لقد خيّل إلي... أنني لم أفهم...

دون جوان: آه، إني أرى: لقد عرفتِ، عرفتِ كل شيء!

دونا آنا: ما الذي عرفته؟

دون جوان: نعم.. أنا لست راهباً... وها أنا عند قدميك ألتمس الصفح

دونا آنا: آه، يا إلهي! انهض، انهض.. من أنت إذاً؟

دون جوان: شخص تعس، ضحية هوىً يائس.

دونا آنا: آه، يا إلهي! وهنا، عند هذا الضريح! هيا اذهب من هنا.

دون جوان: دقيقة، يا دونا آنا، دقيقة واحدة.

دونا آنا: وإذا جاء أحد!

دون جوان: البوابة مغلقة. دقيقة واحدة!

دونا آنا: إيه؟ ماذا؟ ما الذي تطلبه؟

دون جوان: الموت. فلأمت الآن عند قدميك. فليدفنوا جثتي البائسة هنا. لا.. ليس قرب رفات الشخص العزيز عليك. ليس هنا، ليس في الجوار، بل في مكان ما بعيد، هناك، عند الباب، عند العتبة بالذات لكي تحظى بلاطة قبري بلمسة قدمك الخفيفة أو بملامسة ثوبك عندما تأتين إلى هنا لتزوري هذا الضريح الأبي وتميلين بشعرك نحوه وتبكين.

دونا آنا: أنت فقدت رشدك.

دون جوان: وهل تَمَنّي الموت يا دونا آنا هو دليل على الجنون؟ لو كنت مجنوناً، لكنت أردت أن أبقى حياً، ولكان لدي أمل بأن أمس قلبك بحبي الحنون؛ لو كنت مجنوناً لقضيت الليالي تحت شرفتك مقلقاً رقادك بأغاني الحب ولما كنت تخفيت، بل بالعكس كنت حاولت أن أجعلك تلاحظينني في كل مكان، لو كنت مجنوناً لما قاسيت في صمت.

دونا آنا: وهل أنت صامت هكذا!

دون جوان: الموقف، دونا آنا، الموقف أنساني نفسي وإلاّ لما عرفتِ أبداً سري الحزين.

دونا آنا: وهل أنت تحبني من مدة طويلة؟

دون جوان: من مدة طويلة أو قصيرة ـ أنا نفسي لا أدري ولكن منذ ذاك الوقت فقط صرت أعرف قيمة الحياة التي تمضي سريعاً، منذ تلك اللحظة فقط صرت أدرك معنى كلمة "سعادة".

دونا آنا: انصرف من هنا، أنت شخص خطر.

دون جوان: خطر! بِمَ؟

دونا آنا: أخاف أن أسمعك.

دون جوان: سأصمت: ولكن لا تطردي من هنا من لا يبتهج إلاّ لرؤياك. ليس لدي آمال جريئة، ولا أطلب شيئاً، ولكن رؤيتك لا بد لي منها، ما دمتُ قد حُكِمَ علي بالحياة.

دونا آنا: انصرف ـ فهذا ليس مكاناً لمثل هذه الأحاديث، وهذا الجنون. غداً تعال إلى منزلي؛ وإذا أقسمت بأنك ستحتفظ لي بمثل هذا الاحترام سأستقبلك؛ ولكن مساءً، في ساعة متأخرة فأنا لا أرى أحداً منذ أن ترملت...

دون جوان: دونا آنا، أيها الملاك! فليواسك الرب، كما واسيت أنت اليوم شخصاً شقياً معذباً

دونا آنا: والآن انصرف من هنا

دون جوان: دقيقة أخرى فقط.

دونا آنا: لا، يبدو أن علي أنا الذهاب.. ثم إن الصلاة لا تحضُرُني الآن. فأنت شتت ذهني بأحاديثك الدنيوية، فأذني لم تعد تألفها منذ وقت طويل طويل ـ غداً سأستقبلك.

دون جوان: ما زلت لا أجسر على التصديق لا أجرؤ على أن أستسلم لسعادتي: أنا سأراك غداً! وليس هنا! وليس خلسة!

دونا آنا: نعم، غداً، غداً. ما اسمك؟

دون جوان: دييغو دي كالفار.

دونا آنا: وداعاً، دون دييغو (تذهب)

دون جوان: ليبوريللو! (يدخل ليبوريللو)

ليبوريللو: ماذا تريد؟

دون جوان: عزيزي ليبوريللو! أنا سعيد! "غداً ـ مساءً، في ساعة متأخرة..." ليبوريللو العزيز، غداً ـ جَهِّز... أنا سعيد كطفل!

ليبوريللو: هل تكلمت مع دونا آنا؟ لعلها قالت لك كلمتين رقيقتين أو لعلك باركتها.

دون جوان: لا، ليبوريللو، لا! لقد ضربت لي موعداً لنلتقي.

ليبوريللو: حقاً! آه منكن أيها الأرامل، كلكن سواء.

دون جوان: أنا سعيد! إنني مستعد للغناء، ويسرني أن أعانق العالم كله.

ليبوريللو: والكوماندور؟ ماذا سيقول عن هذا؟

دون جوان: هل تظن أنه سيغار! من المؤكد: لا، فهو شخص عاقل، وأعتقد أنه قد استكان منذ أن مات.

ليبوريللو: لا؛ انظر إلى تمثاله.

دون جوان: ماذا تقصد؟

ليبوريللو: يبدو لي أنه ينظر إليك بغضب.

دون جوان: اذهب إذاً وادعه إلى المجيء إلي؛ لا، ليس إلي، بل إلى دونا آنا، غداً.

ليبوريللو: أدعو التمثال للزيارة! لماذا؟

دون جوان: طبعاً ليس من أجل الحديث معه. ادع التمثال للمجيء إلى دونا آنا غداً مساءً في ساعة متأخرة والوقوف عند الباب للحراسة.

ليبوريللو: أنت راغب في المزاح، ومع من!

دون جوان: هيا اذهب.

ليبوريللو: ولكن...

دون جوان: هيا.

ليبوريللو: أيها التمثال الرائع المجيد! سيدي دون جوان يرجوك بتواضع أن تتفضل... قسماً بالرب لا أستطيع... إنني خائف.

دون جوان: جبان! سأريك!

ليبوريللو: اسمح لي. إنه سيدي دون جوان يرجوك أن تأتي غداً في ساعة متأخرة إلى منزل زوجتك وتقف عند الباب...

(

التمثال يومئ برأسه موافقاً)

آي!

دون جوان: ماذا هناك؟

ليبوريللو: آي، آي!!.. آي، آي... سأموت!

دون جوان: ماذا جرى لك؟

ليبوريللو: (يومئ برأسه): التمثال... آي!

دون جوان: تحني رأسك!

ليبوريللو: لا، لست أنا، بل هو!

دون جوان: أي هراء هذا!

ليبوريللو: اذهب بنفسك.

دون جوان: هيا.. انظر، أيها الكسول. (مخاطباً التمثال) أنا، أيها الكوماندور، أدعوك للمجيء إلى بيت أرملتك، حيث سأكون أنا غداً، وللوقوف عند الباب حارساً. ماذا؟ ستأتي؟

(

يومئ التمثال برأسه ثانية)

يا إلهي!

ليبوريللو: ماذا؟ لقد قلت لك....

دون جوان: فلنغادر.

المشهد الرابع

(

غرفة دونا آنا) (دون جوان ودونا آنا)

دونا آنا: ها قد استقبلتك، دون دييغو؛ ولكني أخشى أن يكون حديثي الحزين مملاً لك: فأنا أرملة مسكينة وما زلت أذكر من فقدت. دموعي تمتزج مع ابتسامتي، كشهر نيسان. ما لك صامتاً؟

دون جوان: أتلذذ بصمت وأنا غارق في تفكير عميق بأنني الآن أجلس على انفراد مع دونا آنا الفاتنة، لا عند ضريح الفقيد المحظوظ؛ وبأنني أراك لا وأنت تركعين على ركبتيك أمام زوجك الرخامي.

دونا آنا: دون دييغو، أرى أنك شديد الغيرة. فزوجي يسبب لك العذاب وهو في قبره؟

دون جوان: لا ينبغي لي أن أغار، فأنت التي اخترته.

دونا آنا: لا، بل أمي أمرتني بأن أعطي دون ألفار يدي؛ كنا فقراء، ودون ألفار كان غنياً.

دون جوان: يا له من محظوظ! لقد وضع خزائنه التي لا قيمة لها عند قدميّ إلهة، ولقاء هذا تذوق نعيم الجنة! لو أني عرفتك قبل ذلك بأية بهجة عظيمة كنت سأقدم رتبتي وثروتي وكل ما لدي لقاء نظرة رضا واحدة منك؛ كنت سأغدو عبداً لمشيئتك المقدسة، وكنت سأدرس كل نزواتك لأتلافاها، كي تكون حياتك كلها فتنة ساحرة مستمرة. أواه! لقد حكم علي القدر بمصير آخر.

دونا آنا: دييغو، كف عن هذا: إنني أقترف إثماً بسماعي ما تقول ـ لا يجوز لي أن أحبك، الأرملة يجب أن تكون مخلصة للضريح أيضاً. لو تعرف كم كان يحبني دون ألفار! أوه! دون ألفار لم يكن ليستقبل في بيته امرأة عاشقة لو ترمّل. كان سيظل مخلصاً للحب الزوجي.

دون جوان: لا تعذبي قلبي، دونا آنا، بذكرك الدائم لزوجك. كفاك قتلاً لي مع أنني ربما كنت أستحق القتل.

دونا آنا: لِمَ تستحقه؟ أنت غير مرتبط برباط مقدس مع أحد، أليس كذلك؟ وحبك لي لا يجعلك مذنباً تجاهي، ولا تجاه السماء أيضاً.

دون جوان: تجاهك! يا إلهي!

دونا آنا: وهل أنت مذنب تجاهي؟ قل لي بماذا؟

دون جوان: لا! لا، أبداً لن أقول.

دونا آنا: دييغو، ما الأمر؟ ألست بريئاً تجاهي؟ قل بماذا!

دون جوان: لا! مستحيل!

دونا آنا: دييغو. هذا غريب: إنني أرجوك، إنني أطالبك.

دون جوان: لا، لا.

دونا آنا: آ! هذا إذاً هو امتثالك لمشيئتي! وماذا قلت لي للتو؟ ألم تقل إنك تتمنى لو كنت عبداً لي؟ إنني سأغضب يا دييغو، أجبني: بم أنت مذنب تجاهي؟

دون جوان: لا أجرؤ؛ فأنت ستكرهينني.

دونا آنا: لا، لا. إنني أصفح عنك سلفاً، ولكنني أرغب في أن أعرف...

دون جوان: لا ترغبي في أن تعرفي سراً رهيباً قاتلاً.

دونا آنا: رهيباً! أنت تعذبني؛ إنني شديدة الفضول، ما الأمر؟ وكيف أمكنك أن تسيء إلي؟ أنا لم أعرفك سابقاً، وليس لي أعداء، ولم يكن لي أعداء قط سوى واحد... هو قاتل زوجي.

دون جوان: (لنفسه) العقدة في طريقها إلى الحل! قولي لي: هل تعرفين التعس دون جوان؟

دونا آنا: لا، لم أره قط في حياتي.

دون جوان: وهل تضمرين له عداوة في نفسك؟

دونا آنا: حسب ما يقتضيه واجب الشرف. ولكنك تحاول أن تصرفني عن سؤالي، دون دييغو ـ إنني أطالب..

دون جوان: ماذا كنت ستفعلين لو قابلت دون جوان؟

دونا آنا: الشرير، كنت أغمدت خنجري في قلبه.

دون جوان: دونا آنا، أين خنجرك؟ هاك صدري.

دونا آنا: دييغو! ماذا تقول؟

دون جوان: أنا لست دييغو، أنا جوان.

دونا آنا: أوه، يا إلهي! لا، هذا غير ممكن، لا أصدق.

دون جوان: أنا دون جوان.

دونا آنا: غير صحيح.

دون جوان: أنا قتلت زوجك، ولست آسفاً على هذا. ولا أشعر بالندم.

دونا آنا: (تقع) أين أنا؟ أين أنا؟ أشعر بالدوار، بالدوار.

دون جوان: يا للسماء! ماذا بها؟ ماذا بك، دونا آنا؟ انهضي، انهضي، اصحي، أفيقي: عبدك دييغو، عبدك عند قدميك.

دونا آنا: دعني! (بضعف) أوه، إنك عدو لي، لقد سلبتني كل شيء، كنتُ في حياتي...

دون جوان: أيتها المخلوقة الحبيبة! إنني مستعد للتكفير عن فعلتي بأي ثمن، وها أنا عند قدميك أنتظر أوامرك. اؤمريني ـ أمت؛ اؤمريني ـ أظل أتنفس من أجلك فقط.

دونا آنا: إذاً هذا دون جوان...

دون جوان: أليس صحيحاً أنهم وصفوه لك شريراً ووحشاً ـ أوه، يا دونا آنا، الإشاعة، ربما، ليست كلها خطأً وربما يثقل ضميري التعب وزرُ الكثير من الشرور. فقد ظللت مدة طويلة تلميذاً مطيعاً للمجون. ولكن منذ أن رأيتك خيّل إلي أنني ولدت من جديد. ومع حبك أصبحت أحب الفضيلة. وللمرة الأولى أركع أمامها بخشوع وركبتاي ترتعشان.

دونا آنا: أوه، دون جوان فصيح اللسان، كما أعرف. لقد سمعت هذا. إنه مغوٍ ماكر. ويقولون إنك مفسد ملحد، وشيطان مريد

كم من النساء أوردت موارد الردى؟

دون جوان: إنني حتى الآن لم أحب أية واحدة منهن.

دونا آنا: وأنا عليّ أن أصدق أن دون جوان يحب أول مرة. وأنه لا يبحث في شخصي عن ضحية جديدة!

دون جوان: لو كنت أريد أن أخدعك هل كنت أعترف لك، هل كنت أذكر أمامك ذاك الاسم الذي لا تطيقين سماعه؟ فأين ترين هنا التفكير المسبق والغدر؟

دونا آنا: من يدري حقيقتك؟ ولكن كيف استطعت أن تأتي إلى هنا، هنا يمكن أن يعرفوك، وعندئذ موتك يصبح محتماً.

دون جوان: وماذا يعني الموت؟ من أجل لحظة لقاء حلوة أقدم حياتي بلا تذمر.

دونا آنا: ولكن كيف ستخرج من هنا أيها المتهور!

دون جوان: (مقبلاً يديها) أنت تهتمين بحياة جوان المسكين! أي لم يعد ثمة كراهية في نفسك السماوية، دونا آنا؟

دونا آنا: آه، ليتني كنت أستطيع أن أكرهك! ولكن لا بد من أن نفترق الآن.

دون جوان: ومتى سنلتقي ثانية؟

دونا آنا: لا أدري. في وقت ما.

دون جوان: غداً؟

دونا آنا: وأين؟

دون جوان: هنا.

دونا آنا: أوه، دون جوان، ما أضعف قلبي.

دون جوان: قبلة هادئة: دليلاً على الصفح...

دونا آنا: حان الوقت، اذهب.

دون جوان: قبلة واحدة، باردة، هادئة...

دونا آنا: يا لك من لجوج! هاك، خذ. ما هذا الطرق؟ أوه، اختبئ دون جوان.

دون جوان: وداعاً، إلى اللقاء، يا صديقتي الغالية.

(

يذهب. ثم يعود فيدخل راكضاً)

آ!

دونا آنا: ما بك؟ آ!

(

يدخل تمثال الكوماندور. دونا آنا تقع)

التمثال: أتيت تلبية للدعوة.

دون جوان: يا إلهي! دونا آنا!

التمثال: دعها، كل شيء قد انتهى، إنك ترتجف يا دون جوان.

دون جوان: أنا؟ لا. أنا دعوتك، ومسرور برؤيتك.

التمثال: أعطني يدك.

دون جوان: هاك... أوه، ما أصعب مصافحة يده الحجرية! دعني، اترك، اترك يدي... إني أهلك ـ انتهى ـ أوه دونا آنا!

(

يتهاوى)

(1)

إحدى "المآسي الصغيرة" التي كتبها بوشكين في خريف عام (1830) في قرية بولدينو. (انظر الحاشية في باب المسرح في عدد "الآداب الأجنبية" المزدوج رقم 106-107، والحاشية في العدد 109).

المصدر :اتحاد الكتاب العرب

 

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.